وصاروا يظلمون ، ويصدون عن سبيل الله ، حرم عليهم بعض الأطعمة ، ليكون في ذلك عقوبة لهم من وجه وتهذيب يقمع شهوتهم من وجه ، فقلة الطعم سبب لتوهين الشهوة ، ولتوهينها أمر تعالى في كل شرع بصوم ، ليكون ذلك سببا لمنعها عما تدعو إليه ، فلا تكون كالبهائم التي تأكل ما تشتهي ، وإلى نحو هذا أشار قوله عليه الصلاة والسلام: (صوموا تصحوا) ، فإن في الصوم صحة
للبدن ، وصحة النفس ،
وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) لما نبهً بما تقدم
أنهم كفروا ، ذكر ما أعد للكافرين ليكون فيه إشارة إلى أنهم يستحقون
ذلك العذاب ، أنهم من جملتهم.
قوله تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا(162)
الراسخ في العلم: هو الذي لا يعترضه شبهة لتمكنه في معرفته
وتحققه بها ، وكونه من الذين قال فيهم: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) فنبه أن الراسخين في العلم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه ، فحيث ما وجدوه يتبعوه ، فالحق لا ينافي بعضه بعضا.
إن قيل: ما وجه لكن ها هنا ؟ وهو لإبطال الشيء وإثبات آخر ، فما الذي أبطل ها هنا ؟
قيل: لكن وإن كان كما قلت ، فتارة تجيء بعد نفي ، ما جاءني زيد
ولكن عمرو ، وتارة تجيء بعد إيجاب ، والإبطال فيه مقدر ، نحو جاءني زيد لكن أخوه أحسن إلي ، والتقدير: أخوه لم يجئني لكن أحسن إلي ، فأغنى عن الإبطال بذكر الإيجاب ، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم ، وألزمهم المذمة ، بيّن أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم ، لكن يؤمنون بكل ذلك ويستحقون به الثواب ،بخلاف هو لا الذين يستحقون العقاب ،
وقوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)