والثاني - قال ابن عطية: أنه متصِلٌ، قال:"إذ العلْمُ والظنُّ يضمهما جنسُ أنهما من معتقدات اليقين، يقول الظانُّ على طريق التجوُّز:"عِلْمِي في هذا الأمْرِ كَذَا"إنما يريدُ ظَنِّي"انتهى، وهذا غيرُ موافقٍ عليه؛ لأن الظنَّ ما ترجَّحَ فيه أحد الطرفَيْن، واليقينُ ما جُزِم فيه بأحدهما، وعلى تقدير التسليم فاتباعُ الظنِّ ليس من جنس العلم، بل هو غيره، فهو منقطع أيضاً، أي: ولكنَّ اتباع الظنِّ حاصلٌ لهم.
ويُمْكِنُ أن يُجَابَ شهاب الدِّين عما رَدَّ به عَلَى ابن عَطِيَّة: بأن العِلْمَ قد يُطْلَقُ على الظَّنِّ، فيكون من جِنْسِهِ؛ كقوله - تعالى - {الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] وأراد: يَعْلَمُون، وقوله: {حتى إِذَا استيأس الرسل وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} [يوسف: 110] أي: تَيَقَّنُوا، وقوله: {وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53] وإذا كان يَصِحُّ إطلاقُهُ عليه، صار الاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلاً.
قوله:"يَقيناً"فيه خمسة أوجه:
أحدها: أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلاً يقيناً.
الثاني: أنه مصدر من معنى العامل قبله؛ كما تقدم مجازه؛ لأنه في معناه، أي: وما تيقَّنوه يقيناً.
الثالث: أنه حال من فاعل"قَتَلُوهُ"، أي: وما قتلوه متيقنين لقتله.
الرابع: أنه منصوبٌ بفعلٍ من لفظه حُذِفَ للدلالة عليه، أي: ما تيقَّنوه يقيناً، ويكون مؤكِّداً لمضمون الجملةِ المنفيَّة قبله، وقدَّر أبو البقاء العامل على هذا الوجه مثبتاً، فقال:"تقديره: تيقَّنوا ذلك يَقِيناً"، وفيه نظر.
الخامس - ويُنْقَل عن أبي بَكْر بن الأنباريِّ: أنه منصوبٌ بما بعد"بَلْ"من قوله:"رَفَعَهُ الله"، وأن في الكلام تقديماً وتأخيراً، أي: بَلْ رفعه الله إليه يقيناً، وهذا قد نَصَّ الخليلُ، فمَنْ دونه على منعه، أي: أن"بَلْ"لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ فينبغي ألا يَصِحَّ عنه، وقوله: {بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} رَدٌّ لما ادَّعَوْهُ مِنْ قتله وصلبه، والضمير في"إلَيْه"عائدٌ على"الله"على حَذْفِ مضاف، أي: إلى أسمائه ومحلِّ أمره ونهيه. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 7 صـ 109 - 116}