وبعد أن أمر الله - عزّ وجل - في هذا المقطع أمرا عاما للمؤمنين جميعا أن يقاتلوا على طريقة حرب العصابات، أو على طريقة الحرب النظامية، أو على حسب مقتضيات الجهاد، وعاب على المتباطئين والمثبطين، وعالج مرض الراغبين في تأخير القتال، وربى المسلمين على الطاعة والصمت، والكتمان، يصدر الآن أمرا لكل فرد على حدة من خلال الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل، وأن يحرض المسلمين على القتال، مبينا أن بأس الكافرين لا ينكف إلا بذلك، قال: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ.
أي: لا تكلف غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود. والمعنى: وإن أفردوك وتركوك وحدك، فقاتل. وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ.
أي: حضهم على القتال ورغبهم فيه، وشجعهم عليه عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا. أي: عسى الله بتحريضك على القتال، وقتالك، أن يكف بطش الذين كفروا وشدتهم، وعسى كلمة مطمعة، غير أن إطماع الكريم أعود من إنجاز اللئيم وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً من الكافرين وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي: وأشد تعذيبا، يفهم من ذلك: أن بأس الكافرين شديد، وتنكيلهم بالمؤمنين شديد، ولكن بأس الله وتنكيله أشد. وقد دلت الآية أن بأس الكافرين الشديد، وتنكيلهم الشديد بالمؤمنين،
لا ينكفان إلا بقتال، وتحريض على القتال بالخطب والمحاضرات وبالنشرات والرسائل، والكتب، ليرتفع عن المؤمنين بأس الكافرين وتنكيلهم.
فوائد:
1 -أخرج ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال: سألت البراء ابن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدو فيقاتل، فيكون ممن قال الله فيه: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة؟
قال: قد قال الله لنبيه: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ رواه الإمام أحمد بنفس المعنى مع زيادة، وإنما ذكرنا هذه الفائدة ليعلم أن الصحابة فهموا أن هذا الأمر للأمة كلها لا لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده.