ثم ذكر الله - عزّ وجل - الفارق بين قتال المؤمنين وقتال الكافرين فقال: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. أي: المؤمنون يقاتلون طاعة لله تعالى، وفي الطريق التي شرعها، والكافرون يقاتلون طاعة للشيطان، وفي طريقه المعوجة التي يضل بها. وكل قتال غير قتال المسلمين هذا شأنه، وهذا ترغيب للمؤمنين في القتال، لأنه ما دام في سبيل الله فالله وليهم وناصرهم. ثم هيج الله المؤمنين على قتال أعدائه فقال فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ. أي: أنصاره وهم الكفار بأصنافهم ومنهم المرتدون. إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ. أي: وساوسه، والكيد: هو السعي في فساد الحال، على جهة الاحتيال. كانَ ضَعِيفاً لأنه غرور لا يؤول إلى محصول، ولأن كيده في مقابلة نصر الله ضعيف .. وفي هذا تجريء للمسلمين على القتال، إذ ما دام الشيطان هو ولي الكافرين، وهذا شأن كيده، وما دام الله هو ولي المؤمنين، وتعالى شأنه، فكيف لا يجرؤ المؤمنون على الكافرين. وفي كل زمان يوجد من يخشى القتال، حتى من المؤمنين، وفي جيلنا يوجد من يتصور أن الإسلام مجرد صلاة وزكاة، أما أن يكون الإسلام قتالا فلا، وفي جيلنا يوجد من يتصور أن التقوى في الصلاة والزكاة، وكلها تصورات فاسدة، يطهر الله عباده المسلمين المتقين منها بالآيات التالية:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ كان ذلك في ابتداء الإسلام إذ كان المسلمون مأمورين بالصلاة ومواساة المحتاج منهم، والعفو والصفح وترك القتال، وكانوا وهم في مكة يتمنون أن يؤذن لهم بالقتال.
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ. أي: فرض عليهم وأمروا به، وذلك بعد إذ كانوا في المدينة. إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ. أي: يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه، لا شكا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن المخاطرة بالأرواح، وخوفا من الموت.