والثاني: أنه عطْفٌ على صِفَةِ"قوم"وهي قوله: {فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} بعد قوله: {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم} فقرَّر أنَّ كفَّهُم عن القِتَال أحدُ سَبَبَي اسْتِحقَاقِهم لنفي التعرُّض لهُم ، وتَرْكِ الإيقاع بهم ، فإن قُلْت: كلُّ واحد من الاتِّصالين له تأثيرٌ في صحة الاستِثْنَاء ، واستحقاقِ تَرْكِ التَّعرضِ للاتصال بالمُعَاهدين والاتصال بالْكَافِّين ، فهلا جَوَّزْت أن يَكُونَ العَطْفُ على صفةِ"قوم"، ويكون قوله:"فإن اعتزلوكم"تقريراً لحكم اتِّصالهم بالكافِّين واختلاطهم بهم ، وجَرْيهم على سُنَنِهم ؟ قلت: هو جَائِزٌ ، ولكن الأوَّلَ أظهرُ وأجْرى على أٍلوب الكلام". انتهى."
وإنما كان أظهر لوجهين:
أحدهما: من جِهَة الصِّنَاعة ، والثاني: من جهة المَعْنَى.
أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ عطفَه على الصِّلة لكون النِّسْبَة فيه إسْنَادِيةً ، وذلك أن المُسْتَثْنَى مُحَدَّثٌ عنه مَحْكُومٌ له ، بخلاف حُكْم المُسْتَثْنَى منه ، فإذا قدَّرْتَ العَطْفَ على الصَِّلَة ، كان مُحَدَّثاً عنه بما عَطَفْتَه ، بِخِلاَف ما إذا عَطَفْتَه على الصِّفَة ، فإنه يكونُ تَقْيِيداً في"قوم"الذين هم قيدٌ في الصِّلَةِ المُحَدَّثِ عن صَاحِبها ، ومتى دار الأمْر بين أن تكُون النِّسْبَة إسْنَاديّة وبين أن تكون تقييدية ، كان جَعْلها إسناديةً أوْلى لاسْتِقلالها.