أرْبَع مِنْ بَغْدَاد حَافِيًا مَاشِيًا ثَلَاث مَرَّات يَحُجُّ مِنْ بغداد مَاشِي! لمَّا قَدِم إلى الحَجَّة الثَّالثَة دَخَل البَيت، فإذا بالأُم نَائِمَة، فاضْطَجَعَ بِجَانِبِها انْتَبَهَت فَإِذا بِهِ مَوْجُود قالت: يا وَلَدِي أَعْطِنِي مَاء، القِرْبَة مُعَلَّقة أمتار، يقول: أنا مُتْعَبْ، وكَأَنِّي مَا سَمِعْتْ الكَلَام! كَأَنِّي نَائِم، سَكَتَتْ، ثُمَّ بعد ذلك أَعَادَتْ، يا وَلَدِي أَعْطِنِي مَاءً، ومِثل، تَرَكَهَا فِي المَرَّة الثَّالِثَة رَاجَع نَفْسَهُ؛ أَذْهَبْ آلَافْ الأَمْيَال مَاشِيًا والأُمْ تَطْلُب مِنْ أَمْتَار المَاء؟! يعني هل هذا يدُلُّ على صِدْقٍ في النِّيَّة؟ وإخْلَاصٍ لله -جلَّ وعَلَا- في هذا الحَجّ ؟! ما الذِّي يَظْهَر من هذا الصَّنِيع؟! الذِّي يَظْهر أنَّهُ ما حَجَّ لله! لِأَنَّ المَسْأَلة هذا أَوْجَب، يعني حَج نَافِلَة، يَحُجُّ مَاشِيًا آلَافْ الأَمْيَال، أَوْ بِضْعَة أَمْتَار لِإِجَابَة أَمْر واجِب؛ فَلَمَّا أَصْبَح ذَهَبَ وسَأَلْ، لَوْ سَأَلَ فَقِيه وقال: أَنَا حَجَجْت وتَوَافَرَت الشُّرُوط والأَرْكَان والوَاجِبَات ومَا فَعَلْتْ مَحْظُور ولا تَرَكْتْ مَأْمُور! قال: حَجُّكَ صَحِيح ومُسْقِط للطَّلَبْ، ومُجْزِئْ، والفَتْوَى على هذا، ما فِيه إِشْكَال ما يُؤْمَر بِإِعَادَتِهِ؛ لَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلى شَخْص نَظَرُهُ إلى أَعْمَال القُلُوب أَكْثَر من نَظَره إلى أعمَال الأَبْدَان، فقال لَهُ أَعِدْ حَجَّة الإِسْلَام؛ لِأَنَّ حَجُّكَ لَيس لله! لو كان لله ما تَرَدَّدْت في قَبُول المَاء؛ لكنْ لَا شَكَّ أنَّ مثل هذا لا يُمْكِن أنْ يُفْتَى بِهِ؛ لَكنْ يُذْكَر هذا مثال على ما يَقَعْ مِنْ بَعْضِ الشَّبَاب المُلْتَزمين المُنْتَسِبين إلى طَلَبِ العِلم، فَيَسْهُلُ عليهِ أنْ يَطْلب منهُ زَمِيله أنْ يَخْرُج معهُ فِي رِحْلَة لِمُدَّة أُسْبُوع؛ لكنْ لَو قالت لَهُ أُمُّهُ: نَزُور