الشيخ: عبد الكريم الخضير
فلا علم بدون فهم؛ لأن الاعتماد على الحفظ وحده دون فهم يصدق فيه ما يردده بعض الناس من قولهم بإزاء من يحفظ: زاد في البلد نسخة، يعني كون البلد فيها نسخ كثيرة من هذا الكتاب، وهذا يحفظ هذا الكتاب ولا يعاني فهمه، هذا بمثابة زيادة نسخة، وهذه العبارة، وإن كان أصلها ومنشأها سببه التقليل من شأن الحفظ، وقد راج قبل نصف قرن من الزمان الدعايات ضد الحفظ، حتى قال قائلهم ممن يزعم أنه يعاني تربية الجيل: أن الحفظ يبلد الذهن، الحفظ يبلد الذهن.
وأقول: لا علم إلا بحفظ، وأنتم سمعتم، ورأيتم من يُعلِّم، ومن يفتي مع ضعف في حافظته، أو عدم عنايةً منه بالحفظ، سمعتم ما لا يعجبكم، بخلاف من حفظ العلوم، وعلى رأسها النصوص، قال الله، وقال رسوله.
فالذي يفتي بالنصوص على نور من الله -جل وعلا-، أما الذي ليس له نصيبٌ من الحفظ، مثل هذا يتخبط يمينًا وشمالًا، وبالأساليب الإنشائية يمضي الوقت، لكن هل يقنع السامع، لا سيما إذا كان السامع طالب علم؟ لا، والساحة مملوءة من أمثال هؤلاء.
يعني فرق بين أن تسمع كلام عالم له عناية بالفقه، بالعلم من أبوابه، وله حفظٌ، ورصيدٌ من الحفظ من النصوص، ومن أقول أهل العلم، ولا سيما من أقوال سلف الأمة فيما يوضح به النصوص، البون شاسع بين هذا وبين من لا يحفظ، فلا بد من الحفظ، ولا بد من الفهم، لا يكفي الحفظ وحده، ولا يكفي الفهم وحده، ولو كان الفهم كافيًا دون حفظ لرأينا من عوام المسلمين -ممن يُعدون من أذكياء العالم-، وهم في أسواقهم من الباعة، رأيناهم علماء، وهم يسمعون العلم، يسمعون الخطب، يسمعون الدروس في المساجد، ومع ذلك لا يدركون شيئًا من العلم، وهم على جانب كبير من الفهم.