لو قرأنا في كتب أهل العلم منذ سنين، الخطابي المتوفى سنة 388هـ يفضل العزلة في وقته، يفضل العزلة في وقته.
الكرماني وهو في القرن الثامن، والعيني وهو بعده يقولون:"والمتعين في هذه الأزمان العزلة؛ لاستحالة خلو المحافل من المنكرات"، هذا قبل كم؟ قبل سبعمائة سنة، هذا كلام يقال، فكيف بأزماننا؟!
لكن يبقى أن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويسعى في نفعهم وتوجيههم، وسنة المدافعة أمرٌ مقرر في الشرع، يعني الإنسان لو تركت هذه الأعمال، وتركت هذه الأمور، كلها للناس الذين لا خير فيهم، لا شك أن هذا ضرر محض على الدين وأهله، فلا بد من المزاحمة، ولا بد من المدافعة، ومع ذلك لا بد أيضًا من الحكمة والرفق واللين في هذه المزاحمة وفي هذه المدافعة، والرفق عمومًا لا يدخل في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.
على كل حال هذا هو القول الفصل في العزلة والخلطة، ونحن نرى من الناس من اعتزل، مع أنه بالإمكان أن ينفع، وينتفع به، يعني من أهل العلم لو خصص من وقته، اقتطع من وقته جزءًا لإقراء الناس وتعليمهم العلم، لانتفع به خلق مع الوقت، ومن الناس من يخالط وهو مسكين يتأثر، كل يومٍ في نقص ولا يستطيع أن يؤثر في أحد، ومع ذلك علينا أن ننظر إلى هذا الأمر بجد، وكل إنسان يعرف من نفسه ما جبل عليه، وما أوتي من مواهب، فإن كان لديه استطاعة وقدرة في خلطة الناس، ومحاولة الإصلاح والتغيير والتأثير عليهم، مثل هذا لا شك أنه في جهاد، وهذا أفضل من العزلة, أما من لا يستطيع ذلك فالعزلة في حقه مفضلة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين.