لكن بعض الناس عنده حافظة قوية، وبعضهم ضعيفة؛ لكن الفهم عنده قوي، نقول لمثل هذا: امسك القلم، وكَثِّر الأوراق اقرأ الفاتحة واكتب الفاتحة، وراجع عليها التفاسير، وانتقِ من تفسير ابن كثير على الفاتحة، ومن تفسير الشيخ ابن سعدي، ومن تفسير الشيخ فيصل بن مبارك، ومن فلان ومن فلان تجتمع عندك تصور للتفسير إجمالي، يعني تستطيع تكون لديك أهلية لأن تفهم هذا الكلام ، ولو احتجت إلى تفسيره تستطيع، يعني عندك -على ما يقول الناس- خلفية، ولو لم يكن من ذلك إلاَّ من كثرة هذه المعاناة رسخ في ذهنك ما كتبت وما قرأت؛ لأنَّ العِلم مَتِين يَحتَاج إِلَى مُعَانَاة، يَحتَاج إِلَى حَفرٍ فِي القُلُوب.
أقول مثل هذا الذي لا يستطيع أن يَحفَظ يَعمَد إِلَى كِتَابٍ صَعب، ما أقول روح إلى منار السبيل، وإلَّا منهج السالكين، وإلَّا كتاب سهل -لا-نقول: اذهب إلى أصعب الكتب من المتون الفقهية، خذ زاد المستقنع -مثلًا- أو مختصر خليل -إن كنت مالكي-، الذي كلامه أشبه ما يكون بالألغاز، شوف ما قال الشراح حول هذا الكلام، وتصور الكلام واكتب ما تصورت، واكتب ما راجعت، وراجع عليه كُتب اللغة إن عجزت عن معنى كلمة، راجع عليه كتب لغة الفقهاء؛ لأنَّ الفقهاء لهم لغة صنفت فيها الكتب، راجع عليه الكتب التي هي أسهل منه، بحيث إذا فهمت هذا الكلام الصعب انتَقَشَ في قلبك، والذي لا يثبت في القلب إلاَّ بصعوبة فإنه حينئذ لا يخرج منه إلاَّ بصعوبة.
فأنت إذا عانيت هذا الكتاب الصعب، وأتقنته وفهمته من خلال مراجعاتك عليه الكثيرة الشديدة، وحاولت جاهدًا أن تفهم هذا الكتاب، أنت في النهاية استقر في ذهنك شيء قدر كبير من هذا الكتاب، فالذي حافظته ضعيفة لا يذهب إلى الكتب السهلة، التي تُعِينُهُ على الغفلة، لا، يذهب إلى الكتب الصعبة، التي لا تعينه على الغفلة، كل كلمة تحتاج إلى نظرات ليس بنظر الواحد.