فهرس الكتاب

الصفحة 9206 من 28557

أن الحوادث للناس والفتاوى في المعاملات ليس لها حصر ولا نهاية وبالناس إليها حاجة عامة فلو لم يجز الاجتهاد في الفروع وطلب الأشبه بالنظر والاعتبار ورد المسكوت عنه إلى المنصوص عليه بالأقيسة لتعطلت الأحكام وفسدت على الناس أمورهم والتبس أمر المعاملات على الناس

ولابد للعامي من مفت فإذا لم يجد حكم الحادثة في الكتاب والسنة فلابد من الرجوع إلى المستنبطات منهما فوسع الله هذا الأمر على هذه الأمة وجوز الاجتهاد

ورد الفروع إلى الأصول لهذا النوع من الضرورة ومثل هذا لا يوجد في المعتقدات لأنها محصورة محدودة قد وردت النصوص فيها من الكتاب والسنة فإن الله تعالى أمر في كتابه وعلى لسان رسوله باعتقاد أشياء معلومة لا مزيد عليها ولا نقصان عنها وقد أكملها بقوله اليوم أكملت لكم دينكم فإذا كان قد أكمله وأتمه وهذا المسلم قد اعتقده وسكن إليه ووجد قرار القلب عليه فبماذا يحتاج إلى الرجوع إلى دلائل العقل وقضاياه والله أغناه عنه بفضله وجعل له المندوحة عنه ولم يدخل في أمر يدخل عليه منه الشبهة والإشكالات ويوقعه في المهالك والورطات

وهل زاغ من زاغ وهلك من هلك وألحد من ألحد إلا بالرجوع إلى الخواطر والمعقولات واتباع الآراء في قديم الدهر وحديثه

وهل نجا من نجا إلا باتباع سنن المرسلين والأئمة الهادية من الأسلاف المتقدمين

وإذا كان هذا النوع من العلم لطلب زيادة في الدين فهل تكون الزيادة بعد الكمال إلا نقصانا عائدا على الكمال مثل زيادة الأعضاء والأصابع في اليدين والرجلين

فليتق امرؤ ربه عز و جل ولا يدخلن في دينه ما ليس منه وليتمسك بآثار السلف والأئمة المرضية وليكونن على هديهم وطريقهم وليعض عليها بنواجذه ولا يوقعن نفسه في مهلكة يضل فيها الدين ويشتبه عليه الحق والله حسيب أئمة الضلال الداعين إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) اهـ من كتابه الانتصار لأهل الحديث ص 27 - 33

و لعلك تسأل و تقول يا حسن كفتة: إنكم سميتم أنفسكم أهل السنة وما نراكم في ذلك إلا مدعين لأنا وجدنا كل فرقة من الفرق تنتحل اتباع السنة وتنسب من خالفها إلى الهوى وليس على أصحابكم منها سمة وعلامة أنهم أهلها دون من خالفها من سائر الفرق فكلها في انتحال هذا اللقب شركاء متكافئون ولستم أولى بهذا اللقب إلا أن تأتوا بدلالة ظاهرة من الكتاب والسنة أو من إجماع أو معقول

فنجيبك بجواب إمامنا السمعاني رحمه الله لما سُئل عن ذلك فقال:

(الجواب قولكم إنه لا يجوز لأحد دعوى إلا ببينة عادلة أو دلالة ظاهرة من الكتاب والسنة هما لنا قائمتان بحمد الله ومنه قال الله تعالى(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فأمرنا باتباعه وطاعته فيما سن وأمر ونهى وحكم وعلم

وقال النبي عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وقال من رغب عن سنتي فليس مني

ثم لعن تارك سنته على ما روي أنه قال ستة لعنتهم وكل نبي مجاب الدعوة وذكر في آخره التارك لسنتي

فوجدنا سنته وعرفناها بهذه الآثار المشهورة التي رويت بالأسانيد الصحاح المتصلة التي نقلها حفاظ العلماء بعضهم عن بعض

ثم نظرنا فرأينا فرقة أصحاب الحديث لها أطلب وفيها أرغب ولها أجمع ولصحاحها أتبع فعلمنا يقينا أنهم أهلها دون من سواهم من جميع الفرق فإن صاحب كل حرفة أو صناعة ما لم يكن معه دلالة عليه من صناعته وآلة من آلاته ثم ادعى تلك الصناعة كان في دعواه عند العامة مبطلا وفي المعقول عندهم متجهلا فإذا كانت معه آلات الصناعة والحرفة شهدت له تلك الآلات بصناعته بل شهد له كل من عاينه قبل الاختبار

كما أنك إذا رأيت رجلا قد فتح باب دكانه على بز علمت أنه بزاز وإن لم تختبره وإذا فتح على تمر علمت أن تمار وإذا فتح على عطر علمت أنه عطار وإذا رأيت بين يديه الكير والسندان والمطرقة علمت أنه حداد وإذا رأيت بين يديه الإبرة والجلم علمت أنه خياط

وكذلك صاحب كل صناعة إنما يستدل على صناعته بآلته فيحكم بالمعاينة من غير اختبار

ولو رأيت بين يدي نجار قدوما ومنشارا ومثقبا وهو مستعد للعمل بها ثم سميته خياطا جهلت

وإذا رأيت بناء معه آلة البنائين ثم سميته حداد جهلت

وكذلك من معه الكير والسندان ومنفخ إذا سميته بزازا أو عطارا جهلت

ولو قال صاحب التمر لصاحب العطر أنا عطار قال له كذبت بل أنا هو وشهد له بذلك كل من أبصره من العامة

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت