ثم أخبر عن أمثال هذه الأعمال من الأفعال والأقوال بقوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ} ، إشارة في الآيتين: إن العبد إذا غلبت عليه الصفات الذميمة واستولى عليه الهوى والشيطان ومات قلبه، تكاملت الصفة الأمارة بالسوء لنفسه، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] إليه الشيطان لقوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ} [الأنعام: 121] ، والنفس إذا تكلمت بالهوى تدعي بالربوبية ادعاء فرعون، {فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24] ، فيكون كلامها من صفات الربوبية، وإن من صفات الربوبية قوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ} [محمد: 38] ، فإذا تم فساد حال النفس الأمارة بالسوء تثبت صفات الربوبية لنفسها، وصفات العبودية لربها، كقوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181] ، أثبتوا لأنفسهم صفات الربوبية وهي الغناء، وأثبتوا لله صفة العبودية وهي الفقر، {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} [آل عمران: 181] ، وسنميت قلوبهم بأقوالهم هذه كما أمتناها بأفعالهم، وهي {وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 181] ، يشير إلى: إن جزاء هذه الأحوال في حق الله سبحانه مثل جزاء هذه الأفعال في حق الأنبياء - عليهم السلام - {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ} [آل عمران: 181] ، القلب الميت {الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181] ، بنار القهر والقطيعة {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182] ؛ أي: بشؤم معاملاتكم القولية والفعلية على وفق الهوى والطبيعة، وخلاف الرضاء والشريعة، {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] ، بأن يضع الشيء في موضعه لهم؛ يعني: لا يجعل المصلح منهم مظهر صفة قهره، ولا