ثم أخبر عن البخيل وحاله إذا بخل بقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران: 180] ، إشارة في الآية: إن البخل إكسير الشقاوة، كما أن السييء إكسير السعادة، فبإكسير البخل يصير الفضل قهراً والسعادة شقاوة، كما قال تعالى: {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} [آل عمران: 180] ، بإكسير البخل يجعلون حيرته ما أتاهم الله من فضله شراً لهم، ولو أنهم طرحوا على ما هو من فضله من المال إكسير السخاء لجعلوه خيراً لهم، فيصيروه سعادة ولصاروا بها أهل الجنة إذ لا يلج الجنة الشحيح.
ثم عبَّر عن آفة حب الدنيا والمال بالطواف {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] ، وإنما شبهها بالطوق؛ لأنها تحيط بالقالب، ومنها ينشأ معظم الصفات الذميمة مثل: البخل والحرص، والحسد والحقد، والعداوة والكبر، والتعصب وغير ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"حب الدنيا رأس كل خطيئة"، فبالمنع يصير الروح الشريف العلوي النوراني محفوظاً بهذه الصفات الخسيسة السفلية الظلمانية مطوقاً بآفاتها وحجبها وعذابها يوم القيامة، وبعد المفارقة فإن مات قد قامت قيامته {وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 180] ؛ يعني: إن الله تعالى خلق الإنسان وارث الدنيا والآخرة استعداداً، أو قال لكامليهم {َأُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون: 10] ، الوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال، فالإشارة فيه: إن من غلبت عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداده وارثيه السماوات والأرض، فإن السيد يرث من العبد ميراثه، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 180] ، من الأعمال التي نميت القلوب {خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] ، لا يخفى عليه شيء.