وعن ابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهما، وناس من الصحابة: أن الذين كانوا يكتبون التوراة إذا جاؤا إليهم بإنسان يجبرونه اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه، وكان زكريا أفضلهم يومئذ وكان نبيهم، وكانت أخت مريم تحته، فلما أتوا بها قال لهم زكريا: أنا أحقكم بها تحتي أختها فأبوا، فخرجوا إلى نهر الأردن فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين فأخذ الجارية.
قوله: (خالتها) يعني زوجته (إيشاع) أخت حنة، لكن تقدم أنها أخت مريم، وقال - صلى الله عليه وسلم -
في يحيى وعيسى:"هما ابنا خالة"، وعند أبي السعود قيل في تأويل ذلك: إن الأخت كثيرًا ما تطلق على بنت الأخت الأخرى؛ فجرى الحديث على ذلك، وقيل: إن (إيشاع) أخت حنة من الأم، وأخت مريم من الأب؛ بأن نكح عمران أم حنة فولدت (إيشاع) ، ثم نكح حنة، ثم نكح ربيبته فولدت مريم بناء على حِل نكاح الربائب عندهم.
وقال الشيخ مصطفي العدوي: هذا القول في حال ثبوته يمكن توجيهه بأن يقال: إن خالة الأم يطلق عليها خالة أيضًا، وعلى ذلك يكون يحيى ومريم ابني خالة، ومن ثم يكون يحيى وعيسى ابني خالة؛ لكون يحيى ابن خالة أمه مريم، والله تعالى أعلم.
وقال أبو حيان الأندلسي: والذي عليه الناس أن زكريا إنما كفلها بالاستهام، ولم يدل القرآن على أن غير زكريا كفلها، وكان زكريا أولى بكفالتها؛ لأنه من أقربائها من جهة أبيها، ولأن خالتها أو أختها تحته، على اختلاف القولين، ولأنه كان نبيًا، فهو أولى بها لعصمته.
الرد على اعتراضهم أنه وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف والعكس، وأن هذا من الجنة.
أولًا: لم يصح في ذلك شيء مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: الصحيح ما جاء عن قتادة في قوله تعالى: {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} قال: وجد عندها ثمرة في غير زمانها.
ثالثًا: لم يصح في تحديد نوع الثمرة شيء.
رابعًا: لم يصح أنها كانت من ثمار الجنة، وأما ما جاء عن ابن عباس في ذلك فلا يصح.