وفي: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} أشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينه {الم} الألف والام حرفان مقدمان من قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: {بِرَبِّكُمْ} معناه في عهد: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، أخذ منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60 - 61] ، أي: هادياً إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] ، أي يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام على الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى:
{فََاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [المائدة: 100] .