ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضاً أو تجارة ينمي بها المال المأمور بالإنفاق منه فِي وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد فِي أمر الكتابة تأكيداً ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله: {إلا أن تكون} أي المداينة {تجارة حاضرة} هذا على قراءة عاصم، وكان فِي قراءة غيره تامة {تديرونها بينكم} أي يداً بيد، من الإدارة.
قال الحرالي: من أصل الدور وهو رجوع الشيء عوداً على بدئه {فليس عليكم} حينئذ {جناح} أي اعتراض فِي {ألاّ تكتبوها} أي لأنها مناجزة وهي عرض زائل لا يكاد يستقر فِي يد أحد لأن القصد به المتجر لا الاستبقاء فبعد ما يخشى من التجاحد. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 548}
فصل
قال الفخر:
اعلم أن الله تعالى بيّن أن الكتابة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث:
الفائدة الأولى: قوله {ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله} وفي قوله {ذلكم} وجهان الأول: أنه إشارة إلى قوله {أَن تَكْتُبُوهُ} لأنه فِي معنى المصدر، أي ذلك الكتب أقسط والثاني: قال القفال رحمه الله: ذلاكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى {أَقْسَطُ عِندَ الله} أعدل عند الله، والقسط اسم، والإقساط مصدر، يقال: أقسط فلان فِي الحكم يقسط إقساطاً إذا عدل فهو مقسط، قال تعالى: {إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} [الممتحنة: 8] [الحجرات: 9] ويقال: هو قاسط إذا جار، قال تعالى: {وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن: 15] وإنما كان هذا أعدل عند الله، لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين والصدق أقرب، وعن الجهل والكذب أبعد، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى: {ادعوهم لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله} [الأحزاب: 5] أي أعدل عند الله، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم.