وأخرج بن جرير وغيره عن السدي: أن رجلًا من الأَنصار يُدعى: ثابت بن يسار، طلق زوجته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها ثم طلقها، ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر: يضارها. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والنهي هنا، تأكيد للأمر قبله بالإمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كانوا يتعاطونه، من تطويل عدتها على نحو ما بينه سبب النزول.
فلا يحل له أن يراجع إلا إذا كان قد اعتزم العدل وأَراده. فإن تعذر قيام الحياة الزوجية، فلا يسوغ له أن يستأنفها: معاندة للزوجة، وعداوة لها. فإن ذلك اعتداءٌ وظلم، ولهذا قال:
{وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} :
أي ومن يفعل ذلك الإمساك المؤدي للضرار - اعتداءً وظلمًا في موطن الرحمة - فقد ظلم نفسه: بتعريضها لعذاب الله.
أما قوله تعالى:
{وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا} :
فهو تأكيد آخر، أي ولا تتخذوا آيات الله مهزوًّا بها: بمخالفتها وعدم تنفيذها، لعدم مبالاتكم بحقوق النساء، بل جدوا في الأخذ بها، والعمل بما فيها من أحكام وتشريعات.
وقيل: معنى اتخاذها هزوًا: إدعاءُ العبث والهزل، وعدم الجد فيما يقولون من عبارات ذات أحكام شرعية: كالطلاق، والرجعة، والعتق.
روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم:"ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جدَدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة".
وعن أبي عمرة، وابن مردويه، عن أبي الدرداء قال:"كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت، ويعتق ثم يقول: لعبت. فنزلت". والآية على هذا عامة في جميع الأحكام.
{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} :
أي واذكروا نعمة الله عليكم: بالإسلام والتزويج وجميع النعم. واذكروا كذلك ما أنزل عليكم من آيات الكتاب الحكيم، المنزل على رسولكم، المبين لما يسعدكم من الشرائع والأحكام. واذكروا أيضًا: ما أنزل عليكم من حكمة الرسول، وسنته التي بين بيها آيات الله وتشريعاته.
{يَعِظُكُم بِهِ} :
أي اذكروا ما أنزله عليكم من الكتاب والحكمة، والحال أنه يعظكم ويذكركم به: لتعملوا بمقتضاه.