نَعَمْ إِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَحْسَنُ التَّأْثِيرِ فِي أُولَئِكَ الْخَارِجِينَ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى نُورِ الْإِسْلَامِ ، وَفِيمَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَعْرَضُوا عَنِ الْقُرْآنِ ، وَجَهِلُوا مَا فِيهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ ، حَتَّى صَارُوا شَرًّا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَسَائِرُ الْأُمَمِ مِنْ ظُلْمِ النِّسَاءِ ، فَلَمْ يَتَّقُوا اللهَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَدَبَّرُوا قَوْلَهُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَوْلُهُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وَهُوَ أَبْلَغُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْكِيدِ وَالتَّشْدِيدِ فِي حُقُوقِ النِّسَاءِ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُرَاعِي الْأَحْكَامَ الظَّاهِرَةَ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ بِغَيْرِ إِخْلَاصٍ فَيُطَبِّقُ الْعَمَلَ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ وَرَائِهِ ضَرَرًا ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تُذَكِّرُهُ بِأَنَّ اللهَ
تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يُسِرُّهُ الْعَبْدُ أَوْ يُعْلِنُهُ ، فَلَا يُرْضِيهِ إِلَّا الْتِزَامُ حُدُودِهِ وَالْعَمَلُ بِأَحْكَامِهِ ، مَعَ الْإِخْلَاصِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ ، حَتَّى يَكُونَ ظَاهِرُهُ كَبَاطِنِهِ فِي الْخَيْرِ ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِمُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى فِي عَمَلِهِ ، وَالْعِلْمِ الْيَقِينِ بِأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ فِيهِ ، لَا يُبَيِّتُ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا ، وَلَا يَنْوِي خَيْرًا أَوْ شَرًّا ، وَلَا يَطُوفُ فِي ذِهْنِهِ خَاطِرٌ ، وَلَا تَخْتَلِجُ فِي قَلْبِهِ خَلْجَةٌ إِلَّا وَهُوَ سُبْحَانُهُ عَالَمٌ بِذَلِكَ وَمُطَّلِعٌ عَلَيْهِ ،