الثالث: أنها التي لا صبر لها على محن الدنيا وشدائدها ، فهي كثيرة اللوم فيها ، فعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون اللوامة بمعنى الملومة.
{أيَحْسَب الإنسان} يعني الكافر.
{أنْ لن نَجْمَعَ عِظامَه} فنعيدها خلقاً جديداً بعد أن صارت رفاتاً.
{بلى قادِرينَ على أنْ نُسوّيَ بَنانه} في قوله"بلى"وجهان:
أحدهما: أنه تمام قوله"أن لن نجمع عظامه"أي بلى نجمعها ، قاله الأخفش.
الثاني: أنها استئناف بعد تمام الأول بالتعجب بلى قادرين ، الآية وفيه وجهان:
أحدهما: بلى قادرين على أن نسوي مفاصله ونعيدها للبعث خلقاً جديداً ، قاله جرير بن عبد العزيز.
الثاني: بلى قادرين على أن نجعل كفه التي يأكل بها ويعمل حافر حمار أو خف بعير ، فلا يأكل إلا بفيه ، ولا يعمل بيده شيئاً ، قاله ابن عباس وقتادة.
{بل يريد الإنسان ليَفْجُرَ أمامَه} فيه أربعة تأويلات:
أحدها: معناه أن يقدم الذنب ويؤخر التوبة ، قاله القاسم بن الوليد.
الثاني: يمضي أمامه قدُماً لا ينزع عن فجور ، قاله الحسن.
الثالث: بل يريد أن يرتكب الآثام في الدنيا لقوة أمله ، ولا يذكر الموت ، قاله الضحاك.
الرابع: بل يريد أن يكذب بالقيامة ولا يعاقب بالنار ، وهو معنى قول ابن زيد.
ويحتمل وجهاً خامساً: بل يريد أن يكذب بما في الآخرة كما كذب بما في الدنيا ، ثم وجدت ابن قتيبة قد ذكره وقال إن الفجور التكذيب واستشهد بأن أعرابياً قصد عمر بن الخطاب وشكا إليه نقب إبله ودبرها ، وسأله أن يحمله على غيرها ، فلم يحمله ، فقال الأعرابي:
أقسم بالله أبو حفصٍ عُمَرْ... ما مسّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ
فاغفر له اللهم إنْ كان فجَرْ... يعني إن كان كذبني بما ذكرت.
{فإذا بَرِقَ البصرُ} فيه قراءتان:
إحداهما: بفتح الراء ، وقرأ بها أبان عن عاصم ، وفي تأويلها وجهان:
أحدهما: يعني خفت وانكسر عند الموت ، قاله عبد الله بن أبي إسحاق.