ثم بيّن علة المضاعفة ورغب في النفقة، فقال: {وَاللَّهُ} سبحانه {شَكُورٌ} يعطي الكثير بمقابلة اليسير من الطاعة، أو يجازي العبد على الشكر. وهو الاعتراف بالنعمة على سبيل الخضوع، فسمى جزاء الشكر شكرًا، أو الله شكور، بمعنى: أنه كثير الثناء على عبده، بذكر أفعاله الحسنة وطاعته، فالشكر: الثناء على المحسن بذِكر إحسانه. {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة ذنوبكم بالبخل والإمساك ونحوهما، فيحلم حتى يظن الجاهل أنه ليس يعلم، ويستر حتى يتوهم الغافل أنه ليس يبصر. قال الإمام الغزالي رحمه الله: الحليم: هو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر، ثم لا يتسفزه غضب ولا يعتريه غيظة، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام - مع غاية الاقتدار - عجلةٌ وطيش، كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} .
18 -ثم ذكر ما يزيد في الترغيب في النفقة أيضًا، فقال: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} خبر بعد خبر؛ أي: عالم ما غاب عنا وما شوهد لنا، لا تخفى عليه من خافية. وقد سبق الكلام عليه في أواخر سورة الحشر. ولعل تقديم الغيب على الشهادة، لأن عالمَ الغيب أعمّ والعِلم به أتم. وهو {الْعَزِيز} ؛ أي: الغالب القاهر الذي لا يغالب، ولا يمانع من تنفيذ مراده. {الْحَكِيمُ} ؛ أي: ذو الحكمة البالغة في تدبير أمور خلقه.
والمعنى: هو العليم بما غاب عنكم وبما تشهدونه، فكل ما تعملون فهو محفوظ لديه في أمّ الكتاب، لا يعزب عنه مثقال ذرة، وسيثيبكم عليه ويجازيكم به أحسن الجزاء، وهو ذو العزّة والقدرة، النافذ الإرادة، الحكيم في تدبير خلقه على ما يعلم من المصلحة. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 29/ 371 - 383} ...