وجعلها أبو حنيفةَ كسائرِ الصَّلَواتِ.
الجملة الثَّانية: الأمرُ بتركِ البيعِ.
وتركهُ واجبٌ، قال ابنُ عباس: يَحْرُمُ البيعُ حينئذٍ.
وقال عَطاءٌ: تحرمُ الصناعاتُ كلُّها.
فإذا خالَفَ وباعَ، فقالَ قومٌ بفسخِ البيعِ، وقالَ قومٌ: لا يفسخُ.
ومستندُ القولَيْن أن النهيَ في الشيءِ الحلالِ هل يقتضي فَسادَ المنهيِّ عنه، أولاً؟ وفي ذلك خلافٌ بينَ أهلِ العلمِ بالنظرِ وشرائطِ الاستدلال.
254 - (2) قوله جَلَّ جَلالهٌ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] .
* أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالانتشارِ، والأمرُ إمّا محمولٌ على الإباحةِ، أو على الاستِحباب؛ لما فيهِ من فَصْلِ النافلةِ عن الفريضةِ، وذلك مستحبٌّ؛ لمِا روينا في"صحيح مسلم"عن السائبِ بن يزيدَ قال: صليتُ معَ معاوية الجمعةَ في المَقْصورة، فلما سلمتُ قمتُ، من مَقامي فصليتُ، فلمَّا دخلَ، أرسلَ إليَّ فقالَ: لا تَعُدْ لِما فعلتَ، إذا صَلَّيْتَ الجمعةَ، فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتَّى تتكلمَ أو تخرجَ؛ فإن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمرَنا بذلك أَلَّا نُوصِلَ صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلمَ أو نخرجَ.
ورويَ عن ابنِ عمرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما - في تطوُّعِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: وكانَ لا يصلِّي بعدَ الجمعةِ حتَّى ينصرفَ، فيصلي رَكْعتين في بيته.
وأمَّا حملُه على الوجوبِ فلا يجوزُ؛ لِما رُوي: أن النبيَّ - صَلَّى الله عليه وسلم - جلسَ بعدَ الجمعةِ لوفدٍ قدموا عليه.
* وأمر اللهُ سبحانَه بالابتغاءِ منْ فَضْلِه، وهو التجارةُ، والأمرُ للإرشادِ، ولا يجوزُ أن يُحْمَلَ على الوجوب؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَ يَبْتع تِجارةً بعد مهاجَرِه إلى المدينة.
* وأمرَ بذكرِه كثيرًا، فيحتملُ أن يكونَ أرادَ مطلقَ الذِّكْر.
ويحتملُ أن يكونَ أرادَ النافِلَةَ بعدَها، وقد بينَ ذلكَ النبيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - فقال:"إذا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيصَل بَعْدَها أَرْبَعاً"، وفي رواية:"مَنْ كانَ منكُمْ مُصَلِّياً، فَلْيصَلِّ، بَعْدَ الجُمُعِةَ أربعاً"، أخرجَهُ مسلم في"صحيحه".