وأمَّا مالِكٌ، فلاحظَ المعنى، فلم يكتفِ بالأربعةِ، ولم يوجبِ الأربعين، بل اشترط جَمْعاً يمكنُ أن يتقرب بهم قربة اعتبارًا بمكانِ يجوز فيه الجمعةُ، وبمحلِّ استيطانِها.
* وأمَّا محلُّ الاستيطانِ:
فقد اتفقَ عليه أهلُ العلمِ، والدليلُ عليه أنَّ النَّبي - صَلَّى الله عليه وسلم - جَمَّعَ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ يومَ عَرَفَةَ، ثم راح إلى الموقفِ، وكانَ ذلكَ يومَ جُمعة.
قال الشَّافعي: وقد كانَتْ مِنًى ينزلُها الحاجُّ، ما علمتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ولا أَحَداً من الأَئِمَّةِ صلَّى بها جمعةَ قطُّ، وعرفةُ هكذا أيضاً، ما علمنا أَحَداً صَلَّى بها جمعةَ قَطُّ.
وزادَ أبو حنيفةَ فاشترطَ المِصْرَ والسُّلطانَ زيادةَ على الاستيطانِ، واستدل بما رُوي عن عَلِي - رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أنَّه قالَ: لا تشريقَ ولا جمعةَ إلَّا في مِصْر جامعِ.
* وأمَّا المسجدُ.
فرآهُ مالِكٌ والشافعيُّ أشدَّ مناسبةً من المِصْرِ والسلطانِ؛ لأنَّ المصرَ والسلطانَ غيرُ مناسبينِ لأحوالِ الصلاةِ؛ بخلافِ المسجِد، حتَّى اختلفَ أصحابُ مالكٍ في المسجدِ، هل يُشْتَرَطُ أن يكونَ راتِباً للجُمعة، وأن يكونَ مسقوفاً.
* وأمَّا اتِّخاذُ الجمعة:
فاشترطه مالكٌ والشافعيُّ، ولستُ أعلمُ - وقتَ كتابي لهذا الكتابِ - مَنْ خالفَهُمَا ووافَقَهما.
* وأمَّا الاغتسالُ:
فذهبَ أهلُ الظاهرِ إلى وُجوبه، وهو مذهبٌ قويٌّ، وأحاديثُهُ صحيحةٌ، وتأويلُها صعبٌ، وما يُروى من قوله - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ، فالغُسْلُ أَفضَلُ"، فضعيفٌ.
واستدلَّ الجمهورُ أيضاً بأنَّ عثمانَ - رضيَ اللهُ تَعالى عنه - دخلَ، وعمرُ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ - يخطُب، فقال له عمرُ: أَيَّةُ ساعةٍ هذه؟ فقال: واللهِ
ما زدت حينَ سمعتُ النداءَ على أنِ انقلبت فَتَوضأْتُ، ثمَّ جئتُ، فقال: والوضوءُ أيضاً، وقد علمتَ أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - كانَ يأمرُ بالغُسْلِ؟!
وهذا لا دليلَ فيهِ أَيْضاً؛ لأنَّ عمرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - لم يُقِرَّهُ، بلْ أنكرَ عليهِ ولامَهُ، واحتجَّ عليهِ بأنَّ النَّبي - صَلَّى الله عليه وسلم - كانَ يأمرُ بالغُسْل.
* وأمَّا القراءةُ:
فتستحبُّ القراءةُ بما قرأَ بهِ رسولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - عند مالكٍ والشافعيِّ.