قال: لا تعجل على يا رسول اللَّه إني كنت أمرأً ملصقاً في قريش ، ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قرابائهم ، ولم يكن لي بمكة قرابة ، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً ، واللَّه ما فعلته شكاً في ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنه قد صدق".
فقال عمر - رضي الله عنه - يا رسول الله.
دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله - عزَّ وجلَّ قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"الحديث.
قال فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: في هذا الحديث مع ما وصفنا لك ، طرح الحكم
باستعمال الظنون ؛ لأنه لما كان الكتاب
1 -يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال: من أنه لم يفعله شاكاً في
الإسلام - ، وأنه فعله ليمنع أهله.
2 -ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام.
3 -واحتمل المعنى الأقبح - أي: النفاق - .
كان القول قوله ، فيما احتمل فعله ، وحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه بأن لم يقتله.
ولم يستعمل عليه الأغلب ، ولا - أعلم - أحداً أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا ؛ لأن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده ، فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غرَّتهم فصدَّقه ، - على - ما عاب عليه - من ذلك غير مستعمل عليه - الأغلب مما يقع في النفوس ، فيكون لذلك مقبولاً كان من بعده في أقل من حاله ، وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه.
قيل للشافعي: أفرأيت إن قال قائل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"قد صدق"