وأيضًا لو كانَ أحدٌ مشاركاً، لهُ لما فُضلَ سهمُ سبيلِ الله على غيرِه من السِّهام، ويدل على التفضيلِ قولُ عمرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنه -: وكانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ينفقُ منها على عِياله نفقَةَ سنتِه، وما فَضَلَ جعلَه في الكُراع والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيل الله، وفي لفظٍ آخرَ: ثم يأخذُ ما بقيَ فيجعلُه مَجْعَلَ مالِ الله.
وقد تبيَّنَ بهذا أن ما قلناهُ هو الحَقُّ، وقضى به الشيخانِ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما - ، ولم يخالفْهما أحدٌ من أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما قاله الشافِعِيُّ فغفلة من عالِمٍ، وقد أنكرَ أبو بكرِ بنُ المنذرِ على الشافعيِّ مقالَتهُ، قال: ولا نعلمُ أَحَداً قبلَ الشافعيِّ قالَ بالخمسِ في الفيء.
الضرب الثاني من الفيء: ما أخِذَ من الكُفّارِ من غيرِ حربٍ، كالجِزْيةِ وعُشورِ تِجاراتهم:
فقالَ الجُمهورُ: هو كالضَّرْبِ الأولِ.
وقالَ الشافعيُّ في الجديدِ: يُخَمَّسُ كالغنيمة.
وقالَ في القديم: يقسَمُ الجميعُ على خَمْسَةِ أَسْهُمٍ.
فإن قلتَ: فقد حكيتَ عن مجاهدٍ أن الغنيمةَ تختصُّ بالأموالِ المنقولةِ، وأن الفَيْءَ يختصُّ بالأَرَضين، وإن أُخِذَتْ قَسْراً؛ لأن الله سبحانَهُ ذكر الفَيْءَ في القُرى، وذكرَ الغنيمةَ مُطْلَقا، ووعدْتَ بالكلام معه.
قلت: لا حُجَّةَ له فيما ذَكَرَ، بلِ الحُجَّةُ في فِعْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ثبتَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قسمَ خَيْبَرَ بينَ الغانِمين، ولم يجعلْها فيئًا، وبهذا أخذَ الشافعيُّ.
وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ الأرضَ لم تُخَمَّسْ، بل تكونُ كما فعلَ عمرُ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - في أرضِ السَّوادِ، وللإمام أن يَمُنَّ بها على أهلِها كَما فعلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في أهلِ مَكَة.
والجوابُ ما قدمتُه في"سورة الحَجِّ"، وأن المختارَ ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنها فُتِحَتْ صُلْحاً، فلم تغنَمْ.
فإن قلتَ: فقد جعلَ عمرُ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - أرضَ السَّوادِ بين المسلمين، ولعل مصرفَ الأرضِ إلى اجتهادِ الإمامِ، فإمّا أن يقسِمَها، وإما أن يجعلَها فيئًا كما ذهبَ إليهِ أبو حنيفة.