أن يكونَ عطفاً على قوله:"ولقد آتينا داود مِنَا فَضْلاً والطيرَ"
أي وسَخرْنَا له الطيْرَ. حَكى ذلك أبو عبيدة
عن أبي عمرِو بنِ العلاء، ويجوز أن يكون نصباً على النداء.
المعنى: يا جبال أوِّبي مَعَهُ والطيْرَ، كأنَّه قال دعونا الجبال والطير، فالطير
معطوف على مَوْضِع الجِبَالِ في الأصل، وكل منادى - عند البصريين
كلهم - في موضع نصبٍ.
وقد شرحنا حال المضموم في النداء، وأن المعرفة مبني عَلَى الضم.
ويجوز أن يكون"والطيْرَ"نصب على معنى"مع"كما تقول: قمت وزيداً، أي قمت مع زيدٍ، فالمعنى (أَوِّبِي مَعَه) ومع الطير (1) .
وقوله عز وجل: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ(10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)
أي: جعلناه لَيِّناً.
وَأَوَّل مَنْ عَمل الدرُوع دَاودُ، وكان ما يُسْتجنُّ به مِن الحديد إنما كانَ قِطَعَ حَدِيدٍ نحو هذه الجَواشِنَ.
(1) قال السَّمين:
قوله:"أَوِّبِيْ"العامَّةُ على فتحِ الهمزةِ وتشديدِ الواوِ، أمراً من التَّأْوِيْب وهو التَّرجِيْع. وقيل: التسبيحُ بلغةِ الحبشة. والتضعيفُ يحتملُ أَنْ يكونَ للتكثيرِ. واختار الشيخ أَنْ يكونَ للتعدِّي. قال:"لأنهم فَسَّروه ب رَجِّعي معه التسبيحَ". ولا دليلَ؛ لأنه تفسيرُ معنى. وقرأ ابنُ عباس والحسنُ وقتادة وابن أبي إسحاق"أُوْبي"بضمِّ الهمزةِ وسكونِ الواو أمراً مِنْ آب يَؤُوْبُ أي: ارْجِعي معه بالتسبيح.
قوله:"والطيرَ"العامَّةُ على نصبِه وفيه أوجهٌ، أحدها: أنه عطفٌ على محلِّ"جبالُ"لأنَّه منصوبٌ تقديراً. الثاني: أنه مفعولٌ معه. قاله الزجاج. ورُدَّ عليه: بأنَّ قبلَه لفظةَ"معه"ولا يَقْتَضي العاملُ أكثرَ مِنْ مفعولٍ معه واحدٍ، إلاَّ بالبدلِ أو العطفِ لا يُقال:"جاء زيدٌ مع بكرٍ مع عمروٍ". قلت: وخلافُهم في تقضية حالَيْنِ يَقْتضي مجيئَه هنا. الثالث: أنه عطفٌ على"فضْلاً"قاله الكسائيُّ. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: آتيناه فضلاً وتسبيحَ الطيرِ. الرابع: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ أي: وسَخَّرْنا له الطيرَ، قاله أبو عمروٍ.
وقرأ السُّلَمِيُّ والأعرج ويعقوب وأبو نوفل وأبو يحيى وعاصم في رواية"والطيرُ"بالرفع. وفيه أوجهٌ: النسقُ على لفظ قوله:"جبالُ". وأُنْشِد قولُه:
3723 ألا يا زيدُ والضَّحاكُ سِيْرا... فقد جاوَزْتُما خَمَرَ الطريقِ
بالوجهين. وفي عَطْفِ المعرَّفِ بأل على المنادى المضمومِ ثلاثةُ مذاهبَ. الثاني: عطفُه على الضميرِ المستكنِّ في"أوِّبي". وجاز ذلك للفَصْل بالظرفِ. والثالث: الرفعُ على الابتداءِ، والخبرُ مضمرٌ. أي: والجبالُ كذلك أي: مُؤَوَّبَةٌ.
اهـ (الدُّرُّ المصُون) .