قال بعض أهل العلم: ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن.
ويرى بعضهم أن العرض في الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل، أو من قبيل المجاز.
قال الإمام القرطبي ما ملخصه: لما بين - تعالى - في هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره، والأمانة تعم جميع وظائف الدين، على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور ..
ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة ..
وقال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي: أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها، لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب.
أي: أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد حمله الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقوله: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ، لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ....
وقال قوم: إن الآية من المجاز: أي: أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فعبّر عن هذا بعرض الأمانة. كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد: قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه ..
وقيل: عَرَضْنَا يعني عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة. ورجحت الأمانة بثقلها عليها .. .
ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، فلا داعي لصرفه عن ذلك.
ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق في السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه.
واللام في قوله - سبحانه -: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ .. متعلقة بقوله:
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ....