وقرأ الجمهور: {تُقَلَّبُ} مبنيًا للمفعول. وقرأ الحسن وعيسى وأبو جعفر الرؤاسي بفتح التاء؛ أي: {تتقلب} ، وحكاها ابن عطية عن أبي حيوة، وقال ابن خالويه عن أبي حيوة:"نُقلِّب"بالنون {وجوههم} بالنصب، وحكاها ابن عطية أيضًا عن أبي حيوة، وخارجة. زاد صاحب"اللوامح"أنها قراءة عيسى البصري. وقرأ عيسى الكوفي كذلك، إلا أن بدل النون تاء، وفاعل {تقلب} ضمير يعود على {سعير} ، أو على جهنم، أسند إليهما اتساعًا، وقراءة ابن أبي عبلة {تتقلب} بتائين.
وقوله: {يَقُولُونَ} استئناف بياني واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا يصنعون عند ذلك؟ فقيل: يقولون متحسرين على ما فاتهم: {يَا لَيْتَنَا} ؛ أي: يا هؤلاء ليتنا {أَطَعْنَا اللَّهَ} ؛ أي: نتمنى أن نطيع الله في دار الدنيا فيما أمرنا به، ونهانا عنه، فالمنادى محذوف كما قدرنا، ويجوز أن تكون {يا} لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه {وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} فيما دعانا إليه من الحق، فلن نبتلى بهذا العذاب، فتمنوا حين لا ينفعهم التمني؛ أي: ويقولون إذ ذاك على طريق التمني: ليتنا أطعنا الله في الدنيا، وأطعنا رسوله فيما جاءنا به من أمر ونهي، فما كنا نبتلى بهذا العذاب، بل كنا مع أهل الجنة في الجنة، فيا لها من حسرة وندامة ما أعظمها وأجلها:
نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاَتَ سَاعَةُ مَنْدَمِ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ
ونحو الآية قوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) } ، وقوله: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) } .
وهذه الألف في {الرَّسُولَا} والألف التي ستأتي في {السبيلا} هي الألف التي تقع في الفواصل، ويسميها النحاة: ألف الإطلاق؛ لمد الصوت بها؛ لأن أواخر آيات هذه السورة الألف، والعرب تحفظ هذا في خطبها وأشعارها.