قوله: {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: {أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين} [الحجر: 31] من وجهين أحدهما: أن هناك السجود كان فرضاً ، وههنا الأمانة كانت عرضاً وثانيهما: أن الإباء كان هناك استكباراً وههنا استصغاراً استصغرن أنفسهن ، بدليل قوله: {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} .
المسألة الخامسة:
ما سبب الإشفاق ؟ نقول الأمانة لا تقبل لوجوه أحدها: أن يكون عزيزاً صعب الحفظ كالأواني من الجواهر التي تكون عزيزة سريعة الانكسار ، فإن العاقل يمتنع عن قبولها ولو كانت من الذهب والفضة لقبلها ولو كانت من الزجاج لقبلها ، في الأول لأمانه من هلاكها ، وفي الثاني لكونها غير عزيزة الوجود والتكليف كذلك والثاني: أن يكون الوقت زمان شهب وغارة فلا يقبل العاقل في ذلك الوقت الودائع ، والأمر كان كذلك لأن الشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين إذ الغرض كان بعد خروج آدم من الجنة الثالث: مراعاة الأمانة والإتيان بما يجب كإيداع الحيوانات التي تحتاج إلى العلف والسقي وموضع مخصوص يكون برسمها ، فإن العاقل يمتنع من قبولها بخلاف متاع يوضع في صندوق أو في زاوية بيت والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية.
المسألة السادسة:
كيف حملها الإنسان ولم تحملها هذه الأشياء ؟ فيه جوابان أحدهما: بسبب جهله بما فيها وعلمهن ، ولهذا قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} .
والثاني: أن الأشياء نظرت إلى أنفسهن فرأين ضعفهن فامتنعن ، والإنسان نظر إلى جانب المكلف ، وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها ، وقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .
المسألة السابعة: