ثم المسألة داخلة في باب العقائد ، لا في باب الأعمال ، ذلك أن الأمر فيها يرجع إلى هذا السؤال: هل يجوز أن نعتقد بأن واحداً سوى الله يكون واسطة بيننا وبين الله في قضاء حاجاتنا أو لا يجوز ؟ أما الكتاب فصريح في أن تلك العقيدة من عقائد المشركين ، وقد نعاها عليهم في قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] ، سورة يونس ، وقد جاء في السورة التي نقرؤها كل يوم في الصلاة: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فلا استعانة إلا به ، وقد صرح الكتاب بأن أحداً لا يملك للناس من الله نفعاً ولا ضراً ، وهذا هو التوحيد الذي كان أساس الرسالة المصطفوية كما بيّنا .
ثم البرهان العقلي يرشد إلى أن الله تعالى في أعماله لا يقاس بالحكام ، وأمثالهم في التحول عن إرادتهم ، بما يتخذه أهل الجاه عندهم ، لتنزّهه جل شأنه عن ذلك ، ولو أراد مبتدع أن يدعو إلى هذه العقيدة ، فعليه أن يقيم عليها الدليل الموصل إلى اليقين ، إما بالمقدمات العقلية البرهانية أو بالأدلة السمعية المتواترة ، ولا يمكنه أن يتخذ حديثاً من حديث الآحاد دليلا على العقيدة مهما قوي سنده ، فإن المعروف عند الأئمة قاطبة أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [النجم: 28] ، انتهى كلامه رحمه الله .