وفي هذا دليل على أن الواو هنا أفادت عطف صفة على صفة ، لا طائفة على طائفة ، ومِثْله العطف في قوله تعالى: {والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان ...} [الحشر: 9] فالدار أي المدينة ، وكذلك الإيمان يُراد به المدينة أيضاً .
ومعنى {والمرجفون ...} [الأحزاب: 60] المرجف من الإرجاف ، وهو الهزَّة العنيفة التي تزلزل ، ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة} [النازعات: 7] فالمرجفون هم الذين يحاولون زلزلة الشيء الثابت ، وزعزعة الكيان المستقر ، كذلك كان المنافقون كلما رأو للإسلام قوةً حاولوا زعزتها وهزّها لإضعافه والقضاء عليه .
وهؤلاء هم الذين نسميهم في التعبير السياسي الحديث (الطابور الخامس) ، وهم الجماعة الذين يُروِّجحون الإشاعات ، ويذيعون الإباطيل التي تُضِعف التيار العام وتهدد استقراره .
وكثيراً ما قعد المنافقون يقولون: إن قبيلة فلان وقبيلة فلان اجتمعوا للهجوم على المدينة والقضاء على محمد ورسالته ، وهدفهم من هذه الإشاعات إضعاف وهزيمة الروح المعنوية لدى المسلمين الجدد والمستضعفين منهم .
حتى على مستوى الأفراد ، كانوا يذهبون إلى مَنْ يفكر في الإسلام ، أو يرون أنه ارتاح إليه ، فيقولون له: ألم تعلم أن فلاناً أخذه قومه ، أو أخذه سيده وعذَّبه حتى الموت لأنه اتبع محمداً ، ذلك ليصرفوا الناس عن دين الله .
إذن: المرجِفُ يعني الذي يمشي بالفتنة والأكاذيب ؛ ليصرف أهل الحق عن حقهم ، بما يُشيع من بهتان وأباطيل .
لذلك يهددهم الحق سبحانه: لئن لم ينته هؤلاء المنافقون عن الإرجاف في المدينة وتضليل الناس لَيكُونَنَّ لنا معهم شأن آخر ، كان هذا وقت مهادنة ومعاهدة بين المسلمين واليهود وأتباعهم من المنافقين ، وكأن الله تعالى يقول: لقد سكتنا على جرائمهم إلى أنْ قويَتْ شوكة الإسلام ، أما وقد صار للإسلام شوكة فإنْ نقضوا عهدهم معنا فسوف نواجههم .