الأمر الثاني: ارتياحه به كما قال عليه الصلاة والسلام: إني أباهي بكم الملائكة. وكما لا يبعد أن يطلع النائم منا على الغيب من أحوال الموتى مع كوننا في هذا العالم المظلم فلا يبعد أن يحصل للأرواح معرفة بمجاري أحوالنا مع أنهم في عالم القدس والصفاء. ودار الحيوان فوجه اطلاع النائم على أحوال الموتى واطلاع الموتى تعلى أحوال الناس يطول ذكره.
الثالث: الشفقة على الأمة بتحريضهم على ما هو حسنة في حقهم وقرية لهم وإنما تضاعف صلاة الله عليهم لأن الصلاة ليست حسنة واحدة بل حسنات إذ فيها تجديد الإيمان. بالله أولاً ثم بالرسول ثانياً ثم تعظيمه ثالثاً ثم العناية بطلب الكرامة له رابعاً ثم تجديد الإيمان باليوم الآخر وأنواع كرامته خامساً ثم بذكر الله سادساً وعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ثم بتعظيم الله بسبب نسبتهم إلى الله تعالى سابقاً ثم بإظهار المودة لهم ثامناً ولم يسأل الرسول صلى الله عليه وسلّم من أمته إلا المودة في القربى ثم الابتهال والتضرع في الدعاء تاسعاً والدعاء العبادة ثم بالاعتراف عاشراً بأن الأمر كله لله وأن النبي صلى الله عليه وسلّم وإن جل قدره فهو عبد ذليل لله محتاج إلى رحمة الله وإلى مدد الله تعالى له.
فهذه عشر حسنات سوى ما ورد الشرع به من أن الحسنة الواحدة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها فقط. وسره أن الجوهر الإنساني طبعه حنان إلى ذلك العالم العلوي لأنه مقتبس منه وهبوطه إلى العالم الجسماني غريب في طبيعته والسيئة تطاطيه عن الترقي إلى ذلك العالم على خلاف طبعه والحسنة ترقية إلى موافقة الطبع والقوة التي تحرك الجبل إلى فوق ذراعاً هي بعينها إن استعملت في تحريكه إلى أسفل تحركه عشرة أذرع وزيادة فلهذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إذ منها إنه يوفي أجره بغير حساب وهي الحسنة التي لا يدافع تأثيرها تقصير من رياء وعجب كالحجر الذي يدهور من شاهق لا يصادمه دافع فإنه لا يتقدر مقدار هبوطه بحساب حتى يبلغ الغاية والنهاية والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد الأمين وعلى آله الأكرمين وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا معهم وفيهم وجميع اللائذين والمحبين برحمتك يا أرحم الراحمين آمين. انتهى انتهى {القرطاس، لابن عمر العطاس} ...