ومن المعلوم أن العصمة سبيل الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فالعصمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وأوامره، ونواهيه، مما هو ليمس من باب البلاغ، مما كان في أمور الدنيا وأحوال نفسه الشريفة، لها أيضًا دلالتها على الاقتداء به.
وعصمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكبائر والصغائر في أقواله وأفعاله مما ليس سبيله البلاغ دل عليها القرآن الكريم، والسيرة العطرة، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة.
ومن هذه الشهادات الربانية:
قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] في كان - عَزَّ وَجَلَّ - أن يحث نبيه على الاقتداء والأسوة بأنبيائه ورسله إلا وهم معصومون في الصغائر، وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، ووجه الاستدلال في الآيتين
أنه تعالى جعل الاقتداء والمتابعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لازمة من محبته - عَزَّ وَجَلَّ - الواجبة، ولازمة للهداية والفلاح في الدنيا والآخرة، وما تلك الملازمة وسابقتها إلا شهادة من رب العزة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - على عصمته من الصغائر في كل أقواله وأفعاله.
أما السنة العطرة:
وهي تنضح وتشهد بعصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصغائر في أحواله كلها حيث لم يعلم عنه الوقوع في صغيرة ولا الدنو من شيء منها.
فقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (1) ، فلو رأى الصحابة - رضي الله عنهم - أو سمعوا منه شيئًا مما أجازه عليه بعض أهل العلم من قربه الصغائر - وحاشاه من ذلك - لما فاتهم نقل ذلك منه ضمن ما نقلوه من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.
ولا يكون لأقواله وأفعاله ذلك الوصف التشريعي إلا بالقول بوجوب العصمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصغائر خلافًا عن لمن أجازها من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين تمسكًا بظواهر القرآن وبعض الأحاديث الصحاح التي تدل على عصمته من الصغائر.