أمر آخر ، إنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فكَّر في أمر زينب ، فلماذا تعدلون به إلى التفكير في الغريزة؟ ولماذا لا تعدلون به إلى مرتبة الإنصاف ، وهو الذي أرغم زينب على الزواج من زيد ، وهي الشريفة القرشية ، وهو العبد المملوك ، فلما وضعها في هذا المأزق أراد أنْ يُطيِّب خاطرها ، ويصلح ما كان منه بأنْ يضمها إليه ، فتصير إحدى أمهات المؤمنين .
ثم مَنِ الذي منع رسولاً قال الله عنه أنه بشر من أن تكون له هذه الرغبة ، وكل الرسل السابقين كان لهم هذه - هذا على فرض رغبة رسول الله في زينب - لكن الناس لم يُحسِنُوا الظن .
والذي يدلُّنا على أن هذه المسألة كانت ترتيباً ربانياً صِرْفاً ما نجده من الرياضية الإيمانية بين كل من سيدنا رسول الله ، ومولاه زيد ، وابنة عمته زينب ، فقد جمعهم الثلاثة رياضة إيمانية كما نقول نحن الآن: فلان عنده روح رياضية .
يعني: يتقبل الهزيمة بروح عالية بدون عداوات أو أحقاد ، فلقد انصاع الجميع لأمر الله بهذه الروح الإيمانية .
أما الذين يأخذون من قوله تعالى في حق رسوله {وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ...} [الأحزاب: 37] يأخذونها سُبَّة في حقِّ الرسول ، فعليهم أنْ يعلموا أنَّ الخشية نوعان: خشية من شيء تخاف أنْ يضرك ، وخشية استحياء ، فالخشية في {وَتَخْشَى الناس ...} [الأحزاب: 37] خشية استحياء ، ويكفي أن الحق سبحانه قال في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ذلكم كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق ...} [الأحزاب: 53] .