فإنْ قُلْتَ: كيف وقد أثبتَ الله الاختيار؟ نقول: هناك فرق بين اختيارٍ داخل في التكليف ، إنْ شئْتَ فعلْته أو لم تفعله ، وشيء في إيجاد التكليف بداية ، فليس للعباد دخْل في إيجاد الشيء المكلَّف به ، إنما إذا كلَّفتهم أنا ، فأنا صاحب التكليف ، وكونهم يطيعونه أو لا يطيعونه ، فهذا أمر آخر ، ليس للعباد أن يقترحوا التكليف على هواهم ؛ لأن التكليف لي ، ولهم الاختيار في طاعته وفي قبوله ، وما دام قد ثبت أنهم آمنوا بالله وآمنوا برسول الله فكان من الواجب عليهم أنْ يرتضوا الأمر ، وألاَّ يُعرضوا عنه إلى غيره .
وقصة طلاق زيد وزينب ، ثم زواج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قصة خاضَ فيها المستشرقون والمغرضون كثيراً ، وتجرأوا على سيدنا رسول الله بكلام لا ينبغي في حقه صلى الله عليه وسلم ، ومن قولهم أن محمداً أحبَّ زينب وأرادها لنفسه ، فأمرها أن تشاغب زيداً حتى يطلقها فيتزوجها .
ونقول لهؤلاء الأغبياء: أولاً زينب بنت جحش الأسدية هي بنت عمة رسول الله ، وكان صلى الله عليه وسلم مُكلَّفاً بإدارة أموالها ورعاية شئونها ، وقد نشأتْ تحت عينه ، ولو أرادها لنفسه لتزوَّجها بداية ، وهذا بنصِّ القرآن:
{وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ ...} [الأحزاب: 37] فإن أردت أن تعرف ما أخفاه رسول الله فخذه مما أبداه الله والذي أبداه الله قوله تعالى: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ...} [الأحزاب: 37] وهذا يهدم كلَّ ادعاءاتكم على رسول الله .