كذلك أخذ يعني بروابط الأسرة ؛ ويتخذ منها قاعدة للتنظيم الاجتماعي ؛ ويعدها المحضن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج ؛ ويوفر الضمانات لحماية هذا المحضن وصيانته ، ولتطهيره كذلك من كل ما يلوث جوه من المشاعر والتصورات.
والتشريع للأسرة يشغل جانباً كبيراً من تشريعات الإسلام ، وحيزاً ملحوظاً من آيات القرآن. وإلى جوار التشريع كان التوجيه المستمر إلى تقوية هذه القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع ؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتطهر الروحي ، وبالنظافة في علاقات الجنسين ، وصيانتها من كل تبذل ، وتصفيتها من عرامة الشهوة ، حتى في العلاقات الجسدية المحضة.
وفي هذه السورة يشغل التنظيم الاجتماعي وشؤون الأسرة حيزاً كبيراً. وفي هذه الآيات التي نحن بصددها حديث إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيه لهن في علاقتهن بالناس ، وفي خاصة أنفسهن ، وفي علاقتهن بالله. توجيه يقول لهن الله فيه: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} .
فلننظر في وسائل إذهاب الرجس ، ووسائل التطهر ، التي يحدثهن الله سبحانه عنها ، ويأخذهن بها. وهن أهل البيت ، وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأطهر من عرفت الأرض من النساء. ومن عداهن من النساء أحوج إلى هذه الوسائل ممن عشن في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيته الرفيع.
إنه يبدأ بإشعار نفوسهن بعظيم مكانهن ، ورفيع مقامهن ، وفضلهن على النساء كافة ، وتفردهن بذلك المكان بين نساء العالمين. على أن يوفين هذا المكان حقه ، ويقمن فيه بما يقتضيه:
{يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} ..
لستن كأحد من النساء إن اتقيتن.. فأنتن في مكان لا يشارككن فيه أحد ، ولا تشاركن فيه أحداً. ولكن ذلك إنما يكون بالتقوى. فليست المسألة مجرد قرابة من النبي صلى الله عليه وسلم بل لا بد من القيام بحق هذه القرابة في ذات أنفسكن.