هكذا كان الإسلام إحياء وتحريراً للإنسان، مطلق الإنسان، يضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، ويحرر الأرقاء، لأن الرق في نظره"موت"، والحرية"حياة وإحياء".. ولقد أبصر هذه الحكمة الإسلامية الإمام النسفي [710 هجرية /1310 م] وهو يعلل جعل الإسلام كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة: (ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) .. فقال: إن القاتل"لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمة أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قِبَل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكماً ..".. فالإسلام قد ورث نظام الرق عن المجتمعات الكافرة فهو من آثار الكفر، ولأنه موت لروح وملكات الأرقاء، وسعى الإسلام إلى إلغائه، وتحرير أي إحياء موات هؤلاء الأرقاء، كجزء من الإحياء الإسلامي العام (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) .
ومع أن مقاصد الإسلام في تصفية نهر الرقيق بإغلاق روافده وتجفيف منابعه، وتوسيع مصباته لم تبلغ كامل آفاقها، إذ انتكس"الواقع التاريخي"للحضارة الإسلامية، بعد عصر الفتوحات، وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية .. إلا أن. حال الأرقاء في الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيوداً وأكثر عدلاً بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية، بما في ذلك الحضارة الغربية، التي تزعمت في العصر الحديث الدعوة إلى تحرير الأرقاء ..
فلقد اقترن عصر النهضة الأوروبية بزحفها الاستعمارى على العالمين القديم والجديد، وبعد أن استعبد المستعمرون الأسبان والبرتغاليون والإنجليز والفرنسيون سكان أمريكا الأصليين، وأهلكوهم في سخرة البحث عن الذهب وإنشاء المزارع، مارسوا أكبر أعمال القرصنة والخطف في التاريخ، تلك التي راح ضحيتها أكثر من أربعين مليوناً من زنوج إفريقيا، سلسلوا بالحديد، وشحنوا في سفن الحيوانات، لتقوم على دمائهم وعظامهم المزارع والمصانع والمناجم التي صنعت رفاهية الرجل الأبيض في أمريكا وأوروبا .. ولا يزال أحفادهم يعانون من التفرقة العنصرية في الغرب حتى الآن.