ومع إغلاق الروافد روافد الاسترقاق ومصادره التفت الإسلام إلى"كتلة"واقع الأرقاء، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير، وذلك عندما عدد ووسع مصابّ نهر الرقيق .. ولقد سلك الإسلام إلى ذلك المقصد سبيل منظومة القيم الإسلامية. وسبيل العدالة الاجتماعية الإسلامية. فحبب إلى المسلمين عتق الأرقاء تطوعا، إذ في عتق كل عضو من أعضاء الرقيق عتق لعضو من أعضاء سيده من النار، فتحرير الرقيق سبيل لتحرير الإنسان من عذاب النار يوم القيامة .. كما جعل الإسلام عتق الأرقاء كفارة للكثير من الذنوب والخطايا .. وجعل للدولة والنظام العام مدخلاً في تحرير الأرقاء عندما جعل هذا التحرير مصرفا من المصارف الثمانية لفريضة الزكاة فهو جزء من أحد أركان الإسلام (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) . كما جعل الحرية هي الأصل الذي يولد عليه الناس، والرق هو الاستثناء الطارئ الذي يحتاج إلى إثبات، فمجهولوا الحكم هم أحرار، وعلى مدعى رقهم إقامة البينات، وأولاد الأمة من الأب الحر هم أحرار و"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!"..
كذلك، ذهب الإسلام فساوى بين العبد والحر في كل الحقوق الدينية، وفي أغلب الحقوق المدنية، وكان التمييز فقط، في أغلب حالاته بسبب التخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التي يفرضها الاسترقاق على الإرادة والتصرف .. فالمساواة تامة في التكاليف الدينية، وفي الحساب والجزاء .. وشهادة الرقيق معتبرة في بعض المذاهب الإسلامية عند الحنابلة وله حق الملكية في ماله الخاص، وإعانته على شراء حريته بنظام المكاتبة والتدبير مرغوب فيها دينياً (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) . والدماء متكافئة في القصاص ..
وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد، حوّله الإسلام بمنظومة القيم التي كادت أن تسوى بين العبد وسيده إلى ما يشبه العبء المالي على ملاك الرقيق .. فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل مالا يطيق .. بل ومطلوب منه أيضاً إلغاء كلمة"العبد"والأمة"واستبدالها بكلمة"الفتى"و"الفتاة"."