فأجاب ابن عرفة: بأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الفوقية، قال: وكذلك أن الحميم إذا صب فوقهم عن بعد، فإنه يدركه الهوي فينقص من حرارته، فإذا صب فوق رءوسهم بالقرب نزل كما هو، وهذا مشاهد عندنا في المس إذا طبخناه أو صب في الإناء يرده بالمغرفة ترفع بها إلى فوق وتصبه فيبرد بالهواء ومهما علونا بالمغرفة إلى فوق، كان أشد في تبريده فأفادت زيادة من أنه يصب فوق رءوسهم من أقرب أمكنة الفوقية إليهم حتى لَا ينتقص من حرارته شيء.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ ... (23) }
أكد جزاء المؤمنين بأن ولم يؤكد جزاء الكافرين في قوله تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) .
وقال ابن عرفة: فالجواب: أن حرص الإنسان على دفع ما يؤلمه أشد من حرصه على جلب ما يلائمه، فاكتفى في التنفير عن العذاب لمجرد الوعد مع ما حصله في
النفوس من كراهة ما يؤلمها، وأكد وعدها بالثواب لحمل مشاق الفساد في الدنيا، قلت: إنما الجواب عندي بوجهين:
الأول: إن جزاء الكافرين العذاب عدل من الله تعالى، وجزاء المتقين بالجنة، فضل من الله تعالى إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، فأكده ليصير واجبا ما جاء به له عن نفسه فقوي رجاء المؤمنين وطمعهم فيه.
الثاني: أتى بعده (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فجزاؤهم مكرر مؤكد في هذه الآية فاستغنى به عن تأكيده أولا.
قوله تعالى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... (25) }
من عطف الخاص على العام؛ لأنه من سبيل الله.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) .
ابن عرفة: هذا من المشاكلة؛ لأنه قابل إرادة الإلحاد بذوق بعض العذاب، والإرادة العزم على الشيء من غير فعله، والذوق إدراك أوائل الشيء ومبادئه فقط، فيجوز عن مبادئ السيئات، وهو العزم عليها بمبادئ العذاب الأليم.