قوله: {فَتَخْطَفُهُ} قرأ نافعٌ بفتحِ الخاءِ والطاء مشددةً . وأصلُها تَخْتَطِفُه فأدغم . وباقي السبعةِ"فَتَخْطَفُه"بسكون الخاء وتخفيفِ الطاء . وقرأ الحسنُ والأعمشُ وأبو رجاء بكسر التاء والخاء والطاء مع التشديد . ورُوِي عن الحسن أيضاً فتحُ الطاءِ مشددةً مع كسرِ التاءِ والخاءِ . ورُوِي عن الأعمش كقراءةِ العامَّةِ إلاَّ أنه بغير فاء:"تَخْطَفُه". وتوجيهُ هذه القراءاتِ قد تقدَّم مستوفى في أوائل البقرة عند ذِكْري القراءاتِ في قولِه تعالى: {يَكَادُ البرق يَخْطَفُ} [البقرة: 20] فلا أُعيدها .
وقرأ أبو جعفر"الرياحُ"جمعاً . وقولِه"خَرَّ"في معنى يَخِرُّ ؛ ولذلك عُطِفَ عليه المستقبلُ وهو"فَتَخْطَفُهُ"، ويجوز أن يكون على بابه ، ولا يكونُ"فَتَخْطَفُه"عطفاً عليه ، بل هو خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: فهو يَخْطَفُه .
قال الزمخشري:"ويجوزُ في هذا التشبيهِ أن يكونَ من المركب والمفرَّق . فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: مَنْ أشرك بالله فقد أهلكَ نفسَه إهلاكاً ليس بعده [هلاكٌ] : بأَنْ صَوَّر حالَه بصورةِ حالِ مَنْ خَرَّ من السماءِ فاخْتَطَفَتْه الطيرُ ، فتفرَّق مِزَعاً في حَواصلِها ، أو عَصَفَتْ به الريحُ حتى هَوَتْ به في بعض المطاوحِ البعيدةِ . وإن كان مُفَرَّقاً فقد شَبَّه الإِيمانَ في عُلُوِّه بالسماءَ ، والذي تركَ الإِيمانَ وأشرك بالله ، بالساقط من السماء ، والأهواءَ التي تتوزَّعُ أفكارَه بالطير المتخطفةِ ، والشيطانَ الذي يُطَوِّحُ به في وادي الضَّلالةِ بالريح التي تهوي بما عَصَفَتْ به في بعض المهاوي المُتْلِفَةِ". قلت: وهذه العبارةُ من أبي القاسم مما يُنَشِّطُك إلى تَعَلُّم عِلْمِ البيان فإنها في غاية/ البلاغة .