قوله: {مِنَ الأوثان} في"مِنْ"ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدها: أنها لبيانِ الجنسِ ، وهو مشهورُ قول المُعْرِبين ، ويَتَقَدَّرُ بقولك: الرِّجْسُ الذي هو الأوثان . وقد تقدَّم أنَّ شرطَ كونِها بيانيةً ذلك . وتجيءُ مواضعُ كثيرةٌ لا يتأتى فيها ذلك ولا بعضُه . والثاني: أنَّها لابتداءِ الغايةِ . وقد خَلَط أبو البقاء القولين فجَعَلَهما قولاً واحداً فقال:"ومِنْ لبيانِ الجنسٍ أي: اجْتَنِبوا الرجسَ من هذا القبيل ، وهو بمعنى ابتداء الغاية ههنا"يعني أنه في المعنى يَؤُول إلى ذلِك ، ولا يَؤُول إليه البتةَ . الثالث: أنها للتبعيض . وقد غَلَّط ابنُ عطية القائلَ بكونِها للتبعيضِ ، فقال: " ومَنْ قال: إن"مِنْ"للتبعيض قَلَبَ معنى الآيةِ فأفسده " وقد يُمْكِنُ التبعيضُ فيها: بأَنْ يَعْني بالرِّجْسِ عبادة الأوثانِ . وبه قال ابنُ عباس وابنُ جريج ، فكأنه قال: فاجْتَنِبوا من الأوثانِ الرِّجسَ وهو العبادةُ ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ من الأوثان إنما هو العبادةُ ألا ترى أنه قد يُتَصَوَّرُ استعمالُ الوثَنِ في بناءٍ وغيرِه ممَّا لم يُحَرِِّمِ الشرعُ استعمالَه ، وللوَثَنِ جهاتٌ منها عبادتُها ، وهي بعض جهاتِها . قاله الشيخ . وهو تأويلٌ بعيدٌ .
قوله: {حُنَفَآءَ} : حالٌ مِنْ فاعلِ"اجْتَنِبوا". وكذلك {غَيْرَ مُشْرِكِينَ} وهي حالٌ مؤكدة ، إذ يلزَمُ من كونِهم حُنَفاءَ عدمُ الإِشراك .