ثم يقول سبحانه: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ . .} [الحج: 30] قد تقول: كيف وهي حلال من البداية وفي الأصل ، قالوا: لأنه لما حرَّم الصيد قد يظن البعض أنه حرام دائماً فلا ينتفعون بها ، فبيَّن سبحانه أنها حلال إلا ما ذُكر تحريمه ، ونصَّ القرآن عليه في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام . .} [المائدة: 3] .
وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ . .} [الأنعام: 121] .
ومعنى: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان . .} [الحج: 30] الرجْس: النجاسة الغليظة المتغلغلة في ذات الشيء . يعني: ليست سطحية فيه يمكن إزالتها ، وإنما هي في نفس الشيء لا يمكن أنْ تفصلها عنه .
{واجتنبوا . .} [الحج: 30] لا تدل على الامتناع فقط ، إنما على مجرد الاقتراب من دواعي هذه المعصية ؛ لأنك حين تقترب من دواعي المعصية وأسبابها لا بُدَّ أن تداعبك وتشغل خاطرك ، ومَنْ حام حول الشيء يوشك أنْ يقع فيه ، لذلك لم يقُل الحق - سبحانه وتعالى - امتنعوا إنما قال: اجتنبوا ، ونعجب من بعض الذين أسرفوا على أنفسهم ويقولون: إن الأمر في اجتنبوا لا يعني تحريم الخمر ، فلم يَقُلْ: حُرِّمَتْ عليكم الخمر .
نقول: اجتنبوا أبلغ في النهي والتحريم وأوسع من حُرِّمَتْ عليكم ، لو قال الحق - تبارك وتعالى - حُرّمت عليكم الخمر ، فهذا يعني أنك لا تشربها ، ولكن لك أن تشهد مجلسها وتعصرها وتحملها وتبيعها ، أما اجتنبوا فتعني: احذروا مجرد الاقتراب منها على أيِّ وجه من هذه الوجوه .