ويدخل المدرب على الجنود في صالة الطعام فيقول: ثابت فينفذ الجميع . . الملعقة التي في الطبق تظل في الطبق ، والملعقة التي في فم الجندي تظل في فمه ، فلا ترى في الصالة الواسعة حركة واحدة . وهذا الانضباط الحركي السلوكي مقدمة للانضباط في الأمور العسكرية الهامة والخطيرة بعد ذلك .
إذن: فربُّك - عز وجل - أَوْلَى بهذا الانضباط ؛ لأن العبادة ما هي إلا انضباط عابد لأوامر معبود وطاعة مطلقة لا تقبل المناقشة ؛ لأنك لا تؤديها لذاتها وإنما انقياداً لأمر الله ، ففي الطواف تُقبِّل الحجر الأسود ، وفي رمي الجمار ترمي حجراً ، وهذا حجر وذاك حجر ، هذا ندوسه وهذا نُقبِّله فَحَجر يُقَبَّل وحَجر يُقَنْبل ؛ لأن المسألة مسألة طاعة والتزام ، هذا كله من تعظيم حرمات الله .
لذلك الإمام علي - رضي الله عنه - يلفتنا إلى هذه المسألة فيقول في التيمم: لو أن الأمر كما نرى لكان مسح باطن القدم أَوْلَى من ظاهرها ؛ لأن الأوساخ تعلق بباطن القدم أولاً .
وقد ذكرنا في الآيات السابقة أن الحرمات خمس: البيت الحرام ، والمسجد الحرام ، والبلد الحرام ، والمشعر الحرام ، والشهر الحرام ، وحرمات الله هي الأشياء المحرمة التي يجب الاَّ تفعلها .
ثم يُبيَّن الحق سبحانه جزاء هذا الالتزام: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ . .} [الحج: 30] الخيرية هنا ليست في ظاهر الأمر وعند الناس أو في ذاته ، إنما الخيرية للعبد عند الله .