قال أبو هريرة رضي الله عنه: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعيه هكذا في جيْبه فلو رأيته يُوَسِّعها ولا توسّع.
الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} ضرب بَسْطَ اليد مثلاً لذهاب المال ، فإن قبض الكف يحبس ما فيها ، وبسطها يذهب ما فيها.
وهذا كله خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، وكثيراً ما جاء في القرآن ؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما كان سيّدَهم وواسطتهم إلى ربّهم عَبّر به عنهم على عادة العرب في ذلك.
وأيضاً فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يدّخر شيئاً لغد ، وكان يجوع حتى يشدّ الحجر على بطنه من الجوع.
وكان كثير من الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أموالهم ، فلم يعنّفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدّة بصائرهم.
وإنما نهى الله سبحانه وتعالى عن الإفراط في الإنفاق ، وإخراج ما حَوَتْه يده من المال مَن خِيف عليه الحسرة على ما خرج من يده ، فأما من وثق بموعود الله عز وجل وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية ، والله أعلم.
وقيل: إن هذا الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم في خاصّة نفسه ، علّمه فيه كيفية الإنفاق ، وأمره بالاقتصاد.
قال جابر وابن مسعود:"جاء غلام إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمّي تسألك كذا وكذا."
فقال:"ما عندنا اليوم شيء".
قال: فتقول لك اكْسُنِي قميصَك ؛ فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت عُرياناً.
وفي رواية جابر: فأذّن بلال للصلاة وانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج ، واشتغلت القلوب ، فدخل بعضهم فإذا هو عار"؛ فنزلت هذه الآية."
وكل هذا في إنفاق الخير.
وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام ، كما تقدّم.
الثالثة: نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما يطرأ أوّلاً من سؤال المؤمنين ؛ لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له ، أو لئلا يضيّع المنفِق عياله.