ففي هذا الحديث نرى ما كان من أمر هذا العابد وأنه فضل صلاته على إجابة دعوة أمه لجبر خاطرها، فلما غضبت منه دعت عليه بهذه الدعوة؛ أن ينظر إلى وجوه المومسات، فتحقق هذا وحدث، وجاءت هذه البغي وفعلت ما فعلت؛ لكنه لأنه حفظ الله -سبحانه وتعالى-؛ فلم يقترب منها ولم يرتكب المعصية، وإنما لاذ بدينه وإيمانه، ولكن هذه المرأة الفاجرة جاءت إلى راعٍ يأتي إلى هذه الصومعة ففعلت معه ما فعلت، وحملت بهذا الصبي، فارتكبت عدة جرائم: ارتكبت جريمة الزنا وجريمة الكذب وجريمة البهتان وادعت زورًا وظلمًا أن هذا الصبي هو ابن لجريج، ولكن الله -عز وجل- عنده الفرج وهو ولي الصالحين؛ لم يترك عبده هذا لجرم هؤلاء المجرمين، إنما أنطق هذا الصبي فذكر أن فلانًا الراعي هو أبوه، فأقبل القوم على جريج -كما جاء في الحديث- يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا، الشاهد في الحديث -كما رأينا- هو ما في طاعة الأم من فضل ومن خير ومن بركة.
وعند الترمذي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: (( سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لميقاتها، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله، ثم سكت عني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو استزدته لزادني ) ).
في هذا الحديث ترى أن بر الوالدين يأتي قبل الجهاد في سبيل الله، وقد سبق أن رأينا الرسول -صلى الله عليه وسلم- نصح هذا الذي طلب منه أن يهاجر وأن يجاهد أن يعود إلى أبويه فيحسن صحبتهما.
ويروي أيضًا الإمام الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، قال: وجلس وكان متكئًا، فقال: وشهادة الزور -أو قول الزور- فما زال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولها حتى قلنا: ليته سكت ) ).