روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (( جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك ) )، فترى أنه -صلى الله عليه وسلم- أوصى هذا الصحابي بأمه المرة تلو المرة، ثم جاء الأب في المرتبة الأخيرة، وما ذلك لم بذلته الأم من تعب ومن مشقة كما رأينا في الآيات: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} أو كما قال ربنا: {وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} ثم إنها ضعيفة فتحتاج إلى مزيد من الرعاية.
سوف نجد أيضًا في ما رواه الإمام البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: حلفت أم سعد إلا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد أي من المشقة والتعب، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله -عز وجل- في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا و َإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي} وفيها: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (لقمان: 15) .
إذًا الطاعة والبر والإحسان إنما يكون في طاعة الله لا معصية الله، وأعظم المعاصي وأكبرها وأشدها جرمًا هو الكفر بالله والإشراك بالله فهذا لا طاعة فيه لأحد.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (( أقبل رجل إلى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أبياعك على الهجرة والجهاد؛ أبتغي الأجر من الله، قال: فهل من والديك أحدٌ حي؟ قال: نعم، بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) )، وفي هذا بيان لعظم صحبة الأبوين بالإحسان كليهما.