ثم عرض ذلك على ولده؛ ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسرًا ويذبحه قهرا: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى. . .} [الصافات: 102] ، فبادر الغلام الحليم سر والده الخليل إبراهيم فقال: {قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} ، وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد، قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) } قيل:"أسلما"أي استسلما لأمر الله وعزم على ذلك. وقيل: وهذا من المقدم والمؤخر والمعنى:"تله للجبين"أي ألقاه على وجهه. قيل: أراد أن يذبحه من قفاه لئلا
يشاهده في حال ذبحه، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقًا بالأرض."وأسلما"أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت. قال السدي وغيره: أمرَّ السكين على حلقه فلم تقطع شيئًا. ويقال: جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس، والله أعلم.
فعند ذلك نودي من الله - عز وجل: {أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلت ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان! ولهذا قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} أي الاختبار الظاهر البين.
وقوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أي: جعلناه فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه.
والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير، فأخذه إبراهيم وذبحه عوضًا عن ولده إسماعيل.
هذا هو الظاهر من القرآن؛ بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} .
الوجه الثالث: المقصود من سؤال إبراهيم - عليه السلام - لربه - عز وجل -.
أولًا: قال الجمهور: إن إبراهيم - عليه السلام - لم يكن شاكًا في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب المعاينة.