واختلفوا في القرية: فقيل هي بيت المقدس، وقيل هي دير سابر أباد في فارس، وقيل: سلما باد قرية من نواحي جرجان، وقيل: هي دير هرقل بين البصرة وعسكر مكرم.
ونقول: لو كان لهذه القصة أصل في كتب الوحي الإلهي لذكر اسم الشخص، ووفر على المفسرين الظن والتخمين.
ومن تأمل في التوراة والإنجيل، لا يجد فيها شيئًا من ذلك، ولكن نجد لها أصلا في كتب اليونان القديمة، وهي حكاية أبيمنيدس الكاهن والشاعر اليوناني، وأدرجه البعض
في سلك علماء اليونان السبعة عوضًا عن برياندر، ولد في كريت في القرن السابع قبل المسيح، فروى قومه وهم وثنيون أنه نام نحو 57 سنة في مغارة، وفي أثنائها نزل عليه الوحي، فلما استيقظ (أو لما بعث كما قال القرآن) انذهل من تغير أحوال وطنه، وقيل: إنه عاش نحو 199 سنة، وفي سنة 569 ق م سافر إلى أثينا بدوة من سكانها الذين تضايقوا من الحرب والطاعون، فأخبرهم أئمة ديانتهم أن سبب ذلك هو أنهم قتلوا أنصار سولون في هيكل آلهتهم، والواجب أن يكفروا عن ذنبهم، فاستدعوا أبيمنيدس المشهور بالحكمة والصلاح ليستعطف الآلهة، فأتى وقدم الذبائح وأجرى الرسوم الدينية، فوقف الطاعون، ثم عاون سولون على تنقيح نظامات أثينا، ولما عزم على العودة إلى وطنه لم يرض أن يقبل الهدايا، ولم يطلب سوى غصن شجرة زيتون.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أهداف القصة في القرآن الكريم.
الوجه الثاني: أسباب إبهام الأسماء في القرآن الكريم.
الوجه الثالث: أقوال علماء الإسلام في اسم القرية واسم المار وترجيح الصحيح.
الوجه الرابع: ليس كل ما ذكر في القرآن أصله في التوراة والإنجيل.
الوجه الخامس: من أين أتيتم بهذه القصة من كتب اليونان؟
وإليد التفصيل
الوجه الأول: أهداف القصة في القرآن الكريم.
نقول: إن للقصة في القرآن الكريم أهدافًا ومقاصد أعلى مما يتخيله هؤلاء، وبالتالي يتعرض القرآن في القصة لأشياء خاصة ويخفي أشياء أخرى، وفيما يلي نحاول أن نؤصل هذا الأصل قبل الإجابة على الاعتراضات المذكورة، فنقول وبالله تعالى التوفيق.
أولًا: قَصص القرآن ثلاثة أقسام:
1 -قسم عن الأنبياء والرسل، وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين.