أي: وجعلنا الليل والنهار على هذه الصفة من التعاقب والاختلاف في الطول والقصر لتعرفوا عن طريق ذلك عدد الأيام والشهور والأعوام، التي لا تستغنون عن معرفتها في شئون حياتكم، ولتعرفوا - أيضا - الحساب المتعلق بها في معاملاتكم، وبيعكم وشرائكم، وأخذكم وعطائكم، وصلاتكم، وصيامكم، وزكاتكم، وحجكم، وأعيادكم .. وغير ذلك مما تتوقف معرفته على تقلب الليل والنهار. وولوج أحدهما في الآخر.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا.
والتفصيل: من الفصل بمعنى القطع. والمراد به هنا: الإبانة التامة للشيء بحيث يظهر ظهورا لا خفاء معه ولا التباس.
ولفظ كُلَّ منصوب على الاشتغال بفعل يفسره ما بعده.
أي: وفصلنا كل شيء تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم، تفصيلا، واضحا جليا، لا خفاء معه ولا التباس، فقد أقمنا هذا الكون على التدبير المحكم، وعلى الصنع المتقن، وليس على المصادفات التي لا تخضع لنظام أو ترتيب.
ثم ساق - سبحانه - صورة من صور هذا التفصيل المحكم في كل شيء فقال - تعالى -: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ.
والمراد بطائره: عمله الصادر عنه باختياره وكسبه، حسبما قدره الله - تعالى - عليه من خير وشر.
أي: وألزمنا كل إنسان مكلف عمله الناتج عنه، إلزاما لا فكاك له منه، ولا قدرة له على مفارقته.
وعبر - سبحانه - عن عمل الإنسان بطائره، لأن العرب كانوا - كما يقول الآلوسي - يتفاءلون بالطير، فإذا سافروا ومر بهم الطير زجروه، فإن مر بهم سانحا - أي من جهة الشمال إلى اليمين - تيمنوا وتفاءلوا، وإن مر بارحا، أي: من جهة اليمين إلى الشمال تشاءموا، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير استعارة تصريحية، لما يشبههما من قدر الله - تعالى - وعمل العبد، لأنه سبب للخير والشر.
وقوله - سبحانه -: فِي عُنُقِهِ تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط بين الإنسان وعمله.
وخص - سبحانه - العنق بالذكر من بين سائر الأعضاء، لأن اللزوم فيه أشد، ولأنه العضو الذي تارة يكون عليه ما يزينه كالقلادة وما يشبهها، وتارة يكون فيه ما يشينه كالغل والقيد وما يشبههما.