المناسكِ هناك ، وكلُّ واحد منها في معنى مسجد.
رُوي ذلك عن عكرمة. واللَّهُ أعلمُ.
فمَنْ قالَ: إنَّ المرادَ به المسجدُ الحرامُ خاصَّة ، قال: لا يُمكَّن الكفارُ من
دخولِ الحرمِ كله ، بدليل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) .
وجمهورُ أهلِ العلم على أنَّ الكفارَ يُمْنَعُون من سُكْنى الحرم ، ودخولِهِ
بالكليّة ، وعمارته بالطواف وغيرِه ، كما أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - منْ يُنادي:"لا يحج بعد العام مشركٌ". ً
ورَخَّصَ أبو حنيفة لهم في دخولِهِ دونَ الإقامةِ به.
ومنْ قال: المرادُ جميعُ المساجدِ ، فاختلفُوا:
فمنهم: مَنْ قال: لا يُمكنُ الكفارُ من قُربان مسجد من المساجد ، ودخوله
بالكليّة.
ومنهم: من رَخَّص لهم في دخولِ مساجدِ الحِلِّ في الجملةِ.
ومنهم: من فرَّق بين أهلِ الكتابِ والمشركينَ ، فرَخَّصَ فيه لأهلِ الكتابِ
دونَ المشركينَ.
وقد أفردَ البخاريُ بابًا لدخولِ المشركِ المسجدَ ، ويأتي الكلام على هذه
المسألة هناك مستوفى - إنْ شاء اللَّه تعالى.
واتفقُوا على مَنْع الكفارِ منْ إظْهَارِ دِينِهِم في مساجدِ المسلمين ، لا نعلم في
ذلك خلافًا.
وهذا مما يدلُّ على اتفاقِ الناسِ على أنَّ العمارةَ المعنوية مرادةٌ من الآيةِ.
واختلفُوا في تمكينِهم من عمارةِ المساجدِ بالبُنْيانِ والترميم ونحوه على
قولين:
أحدهما: المنع منْ ذلك ، لدخولِه في العمارةِ المذكورةِ في الآيةِ ، ذكرَ ذلك
كثيرٌ من المفسرينَ كالواحدي وأبي الفرج ابنِ الجوزيِّ ، وكلام القاضي
أبي يعْلى في كتابِ"أحكام القرآنِ"يوافقُ ذلك وكذلك كِيَا الهراسي - من
الشافعيةِ - ، وذكره البغويُّ منهم احتمالاً.
والثاني: يجوزُ ذلك ، ولا يُمنعونَ منه ، وصرَّح به طائفةٌ من فقهاءِ أصحابِنا
والبغويّ من الشافعية وغيرهم.