فجعل أعلا أجزائه الشهادة ، وهي فرض ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وهو فضيلة ، وجعل كليهما من الإيمان ، مع أن الشهادة إنما هي فرض مع إضمار القلب على الثبوت عليها أبدا مرة عند الدخول في الإيمان ببلوغ الطفل ، أو إسلام الكافر ، ثم تكريرها عند الأذان ومواضع التهليل في أماكن الدعاء ، وضمها إلى التسبيح والاستغفار والتكبير في أيام التشريق ، وخلف الفرائض ، وإعمال اللسان بها في أماكن القربات بها فضيلة
وليست كالصلوات الخمس والزكاة عند حلول الحول ، وسائر الأعمال التي لها أوقات محدودة تكون فرائض كما أقيمت.
فهل يقولون - ويحهم - إن كلمة الإخلاص تكون إيمانا إذا كانت فرضا ، وغير إيمان إذا كانت فضيلة ، فيكفونا مؤنة الاشتغال بهم ، أم نقرر هذه النكتة وحدها عندهم أن الإيمان لا نهاية له ؛ إذ كانت الشهادة نفسها هذه سبيلها ، وأن في الفضائل ما يكون إيمانا.
أم يزعمون أن كلمة الإخلاص فرض في كل وقت أن يشهد بها الموحدون من غير أن يفتروا عن القول ، فيخرجون من قول أهل الملة ، ويوجبون على كل من أتت عليه لحظة يمكنه أن يشهد فلا يفعل الردة ، إذ لا يمكنهم أن يجعلوا لها أوقاتا كأوقات الصلاة والزكاة.
فإن قال قائل: فما حجتك في دخول من ترك شيئا من الفرائض الجنة وهي عندك من الإيمان ، وقد زعمت أن الله - تبارك وتعالى - لم يوجب في صدر الآية التي بدأت الفصل بها الجنة إلا بالجهاد والهجرة وتاركهما عندك ناقص الإيمان ، وأنت تزعم أنه يدخل الجنة مع نقصانه كما يدخل الزائد مع زيادته ، قيل: إنما احتججت بالآية على من زعم أن الجهاد والهجرة ليسا من الإيمان ، فأريته أن الإيمان ذو أجزاء ، يجمع فرائض ونوافل ، فإذا أتى المؤمن بجميع الفرائض ، ولم يترك شيئا منها ، أو تركها ثم تاب منها ، فبدلت سيئاته حسنات حرمت عليه النار في حكم العلم ووجبت له الجنة ، ولم يضره ما ترك من السنن
والنوافل ، ولا أثرت في إيمانه المفروض وأجزائه الواجبة.