هذا هو مبلغ رجوع الصحابة إلى أهل الكتاب وأخذهم عنهم. أما التابعون فقد توسَّعوا فِي الأخذ عن أهل الكتاب، فكثرت على عهدهم الروايات الإسرائيلية فِي التفسير، ويرجع ذلك لكثرة مَن دخل مِنْ أهل الكتاب فِي الإسلام، وميل نفوس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، فظهرت فِي هذا العهد جماعة من المفسِّرين أرادوا أن يسدُّوا هذه الثغرات القائمة فِي التفسير بما هو موجود عند اليهود والنصارى، فحشوا التفسير بكثير من القصص المتناقض، ومن هؤلاء: مقاتل بن سليمان (المتوفى سنة 15 هـ) الذي نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى وجعلها موافقة لما فِي كتبهم، بل ونجد بعض المفسِّرين فِي هذا العصر - عصر التابعين - يصل بهم الأمر إلى أن يصلوا بين القرآن وما يتعلق بالإسلام فِي مستقبله، فيشرحوا القرآن بما يشبه التكهن عن المستقبل، والتنبؤ بما يطويه الغيب، فهذا مقاتل بن سليمان، كان يرى أن قوله تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذلك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} . يرجع إلى فتح القسطنيطنية، وتدمير الأندلس وغيرها من البلاد، فقد جاء عنه أنه قال: وجدتُ فِي كتاب الضحاك بن مزاحم فِي تفسيرها:"أما مكة فتخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف، وأما خراسان فهلاكها ضروب ... ثم ذكر بلداً بلداً. وروى عن وهب بن منبه: أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر، ومصر آمنتة حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى، فتُحِت قسطنطينية على يد رجل من بنى هاشم، وخراب الأندلس من قِبَل الزنج، وخراب إفريقية من قِبَل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النيل"